كان المليونير مريضا دائما ولم يستطع احد تفسير حابته
كان ريتشارد بلاكوود يملك كل ما يمكن أن يغري البشر بالحسد.
قصور مترامية الأطراف سيارات فاخرة تصطف في مرائب لا تفتح إلا نادرا حسابات مصرفية لا تعرف الأرقام الصغيرة وأبواب مفتوحة لأشهر الأطباء في العالم. ومع ذلك كان يستيقظ كل صباح وكأن جسده قد خانه لسبب لا يفهمه أحد.
لم يكن مرضه مفاجئا ولا حادا بل كان بطيئا متسللا كظل لا يختفي.
صداع حاد يفتك برأسه منذ اللحظة الأولى لفتح عينيه غثيان مفاجئ يجعله عاجزا عن الوقوف إرهاق ثقيل يضغط على صدره وكأن الهواء نفسه صار عبئا. أحيانا كان يعجز عن النهوض من السرير وأحيانا أخرى كان يفعل ذلك فقط بدافع العناد.
الأطباء احتاروا.
تحاليل الدم كانت مثالية.
صور الأشعة نظيفة.
الفحوصات العصبية بلا أي إنذار.
على الورق كان ريتشارد بلاكوود رجلا سليما تماما.
لكن الواقع كان يقول شيئا آخر.
زوجته إلينا كانت تراقبه بصمت. في البداية كانت تواسيه تمسك بيده تذكره بمواعيد الدواء تطمئنه بأن الأمر مؤقت. ثم مع مرور الشهور بدأ القلق يتحول إلى شيء أشبه بالتعب ثم إلى مسافة صامتة لا تقال.
كان ريتشارد يشعر بذلك.
كان يشعر أن جسده ينهار وأن البيت نفسه لم يعد مكانا آمنا.
في بعض الليالي كان يستيقظ وهو يختنق يفتح النافذة بحثا عن هواء نقي فيجد رائحة غريبة لا يعرف مصدرها. رائحة معدنية رطبة خانقة تختفي مع شروق الشمس وكأنها لم تكن.
وحين كان يذكر الأمر للأطباء كانوا يبتسمون ابتسامة مهنية باردة ويكتبون ملاحظات لا تغير شيئا.
ثم جاءت صوفيا.
لم تدخل حياتهم بضجيج.
كانت عاملة النظافة الجديدة هادئة قليلة الكلام تتحرك بخفة كأنها لا تريد أن تترك أثرا. لم تسأل عن المال لم تبد فضولا زائدا ولم تتصرف كمن يعمل في قصر يساوي ما لا تحلم به.
لكنها كانت ترى.
منذ
ليست الأرواح ولا الخرافات بل ثقل شعور خانق لا يفسر. بعض الغرف كانت تجعل تنفسها أصعب. وبعض الزوايا كانت تشعرها ببرودة غريبة رغم التدفئة.
وكان الطابق العلوي أسوأها.
كلما صعدت الدرج المؤدي إلى غرفة النوم الرئيسية شعرت بدوار خفيف.
وكلما اقتربت من غرفة الملابس الملحقة بالغرفة ازدادت الرائحة الغريبة وضوحا. لم تكن رائحة عفن عادية بل شيء أعمق شيء كيميائي قديم عنيد.
كانت تقول في نفسها في كل مرة
هناك خطأ ما هنا.
وفي إحدى الليالي بعد أن غادر الجميع للنوم عادت صوفيا لإكمال تنظيف غرفة الملابس الواسعة. كانت خزائن ضخمة تلامس الجدران وأثاث ثقيل لم يتحرك منذ سنوات.
وبينما كانت تمسح خلف إحدى الخزائن تعلق قماش التنظيف بشيء صلب.
انحنت لتسحبه وعندها لمست الجدار.
تجمدت.
كان هناك بقعة صغيرة داكنة رطبة بالكاد ترى.
اقتربت أكثر والرائحة ضربتها بقوة.
أخرجت هاتفها شغلت المصباح ووجهت الضوء نحو البقعة.
لم تكن بقعة واحدة.
كانت عشرات.
امتدت على الجدار الخلفي كشبكة صامتة من التآكل وكأن الحائط نفسه كان يذوب ببطء. لمست السطح بخفة فانخفض تحت أصابعها هشا فارغا من الداخل.
ارتجف قلبها.
لكن الأسوأ لم يكن ما رأته
بل ما سمعته.
من خلف الجدار كان هناك صوت خافت بالكاد يسمع.
ليس حيوانا.
ليس ماء.
بل شيء حي شيء يتحرك.
وفي تلك اللحظة فهمت صوفيا لماذا كان ريتشارد مريضا كل صباح.
وفهمت أن ما اكتشفته ليس حادثا بل جريمة صامتة.
تراجعت صوفيا خطوة إلى الخلف وكأن الجدار الذي أمامها لم يعد مجرد حائط بل كيانا حيا يتنفس في الظلام. أطفأت مصباح الهاتف للحظة أغمضت عينيها وأخذت نفسا عميقا محاولة أن تهدئ الارتجاف الذي سرى في أطرافها. لم تكن امرأة
أعادت تشغيل الضوء هذه المرة بحذر أشد وبدأت تتفحص البقع واحدة تلو الأخرى. اللون لم يكن أسود خالصا بل أخضر داكنا يميل إلى الرمادي كأنه أثر معدن تأكله الرطوبة منذ زمن بعيد. وحين مر الضوء على الحافة السفلية للجدار لاحظت شيئا لم تنتبه له في البداية خط رفيع ممتد أفقيا كشق قديم أغلق على عجل.
مدت يدها بحذر وضغطت على موضع الشق.
انهار جزء صغير من الجدار بسهولة مرعبة وانبعثت الرائحة بقوة أكبر حتى اضطرت أن تضع يدها على فمها كي لا تتقيأ.
كان الصوت أوضح الآن.
قطرات.
حركة بطيئة.
ارتطام خفيف بشيء معدني.
لم يكن وهما.
وفي اللحظة التي كانت تستجمع فيها شجاعتها لتوسيع الفتحة سمعت صوت خطوات في الممر الرخامي خارج غرفة الملابس. تجمد جسدها بالكامل. عرفت وقع تلك الخطوات بطيئة مثقلة غير منتظمة.
إنه ريتشارد.
قال بصوته المتعب من خلف الباب
صوفيا هل ما زلت هنا
ترددت لجزء من الثانية ثم أجابت وهي تجاهد لتجعل صوتها ثابتا
نعم سيدي. أوشك على الانتهاء.
صمت للحظة. شعرت خلاله أن قلبها سيقف. ثم سمع صوت تنفسه العميق قبل أن يبتعد ببطء على طول الممر. لم تغادر حتى تأكدت تماما من اختفاء الصوت.
حينها فقط عادت إلى الجدار.
وسعت الفتحة قليلا ومع كل قطعة جدار تسقط كان المشهد يتضح أكثر. لم يكن خلف الحائط فراغا عاديا بل ممرا ضيقا أخفي بعناية. داخل الممر كانت هناك أنابيب.
أنابيب معدنية قديمة متآكلة يغطيها الصدأ من كل جانب.
لكن ما شد انتباهها أكثر كان السائل.
سائل لزج أخضر باهت يتسرب ببطء من أحد الأنابيب ويقطر على الجدار ثم يختفي في تجاويف الأرضية. لم تكن
مدت يدها بحذر شديد ولمست الأنبوب بطرف إصبعها. كان باردا هشا وكأنه على وشك أن ينهار. وحين سحبت يدها لاحظت أن أطراف أصابعها أصبحت مغطاة بطبقة خفيفة من مادة لامعة ذات رائحة خانقة.
همست لنفسها
هذا سم
في تلك اللحظة تذكرت كل ما رأته في الأسابيع الماضية.
تذكرت كيف كان ريتشارد يشتكي دائما من الصداع فور استيقاظه.
كيف كان الغثيان يشتد في الصباح ثم يخف قليلا كلما ابتعد عن غرفة النوم.
كيف كانت حالته تسوء كلما طالت ساعات نومه.
نام فوق السم.
تنفسه.
تشرب جسده به.
أغلقت صوفيا عينيها بقوة. لم يكن هذا إهمالا ولم يكن خللا هندسيا عشوائيا. هذا الأنبوب لم يركب صدفة ولم يترك ليصدأ وحده.
كان مخفيا.
موضوعا خلف الجدار.
موجها تحديدا إلى غرفة النوم.
شعرت بقشعريرة تسري في ظهرها.
وبينما كانت تحاول التقاط أنفاسها لاحظت شيئا آخر داخل الممر الضيق. بين الأنابيب خلف طبقة من الغبار والعفن كان هناك جسم مستطيل صغير أسود اللون.
هاتف.
هاتف قديم مغطى بطبقة كثيفة من الأوساخ لكنه واضح المعالم. لم يكن مهملا منذ سنوات طويلة بل أخفي عمدا. أخرجته ببطء ومسحته بطرف قماشها فانكشف زر التسجيل مفعلا.
توقف الزمن في رأسها.
هذا ليس مجرد تسميم.
هذا توثيق.
هذا تخطيط.
في تلك اللحظة سمعت صوت باب يغلق بعنف في الطابق السفلي. تلاه صوت خطوات أخرى أسرع هذه المرة وصوتان متداخلان.
صوت امرأة
وصوت رجل.
عرفت الصوت الأول فورا.
إنها إلينا.
قالت بصوت خافت لكنه حاد
كم سيستغرق الأمر بعد
رد الرجل بصوت لم تسمعه من قبل
ليس طويلا. التحاليل تشير إلى تدهور مستمر. الجسد لم يعد يحتمل.
ارتجفت صوفيا حتى كادت تسقط الهاتف من يدها.
قالت إلينا
لا
رد الرجل ببرود
إن أصبحت مشكلة سننهيها. كما نفعل مع أي