بعد وفاه زوجتي طردت ابنها الذي كنت اربيه ولكن حدث ما لم يكن متوقع
كان من المفترض أن أكون جزءا منها.
وفي الذكرى السنوية لوفاة ميرا تغير كل شيء داخلي.
دخلت المعبد وحدي كما أفعل كل عام لكنني هذه المرة لم أكن الرجل ذاته. ركعت أمام صورتها لم أطلب غفرانها فورا لأنني أدركت أن الغفران لا يطلب بالكلمات بل بالتحمل. تحمل الذنب تحمل الندم تحمل العيش مع الحقيقة دون تبرير.
قلت لها بصوت اختنق بالدموع
سامحيني
لم أكن قويا كما ظننت.
كنت خائفا أنانيا أختبئ خلف العقلانية.
لكنني أقسم لك أنني سأقضي ما تبقى من عمري أحاول أن أكون أفضل
ولو من بعيد.
خرجت من المعبد أخف قليلا لا لأن الحمل زال بل لأنني توقفت عن مقاومته.
وحين بلغ أرجون الثانية والعشرين وصلني خبر لم أتوقعه.
دعي لعرض أعماله في معرض دولي.
مدينة جديدة. جمهور جديد. اسم يكتب بلغات لا أجيد قراءتها.
دخلت صفحته الشخصية وتوقفت طويلا عند منشور واحد. لم يكن خطابا ولا شكرا ولا استعراضا للنجاح. كانت جملة واحدة فقط
من أجلك يا أمي لقد نجحت.
قرأت الجملة مرارا وكأنني أبحث بين كلماتها عن شيء لي. ولم أجد. وكان ذلك عادلا.
ثم بعد دقائق وصلني إشعار برسالة خاصة.
فتحتها بتردد.
كانت رسالة قصيرة بسيطة خالية من أي عاطفة زائدة أو
إن كنت متفرغا الافتتاح هذا السبت.
لم يكتب أبي.
ولم يكتب تعال.
لم يضع علامة تعجب ولم يضف جملة دافئة.
كتبها كما تكتب دعوة رسمية لإنسان لا يزال يقف عند العتبة لا في الداخل ولا في الخارج تماما.
لكن تلك الكلمات كانت كافية.
كانت كافية لأن تربكني لأن تعيدني عشر سنوات إلى الوراء ولأن تجعل قلبي الذي اعتاد الصمت يخفق كما لم يفعل منذ زمن بعيد.
جلست طويلا أحدق في الشاشة.
أعدت قراءة الجملة مرارا وكأنني أخشى أن تختفي إن أغلقت الهاتف.
لم تكن الرسالة اعتذارا ولا دعوة صريحة ولا وعدا.
كانت اختبارا هادئا هل ما زلت موجودا وهل أستحق أن أكون
تلك الرسالة لم تمح الماضي.
لم تصلح ما كسر ولم تلغ الكلمات القاسية التي خرجت من فمي يوما ولا الباب الذي أغلق خلف طفل خرج وحيدا.
لكنها أنهت شيئا آخر أكثر قسوة الصمت الداخلي.
أنهت ذلك الفراغ الذي كنت أعيشه وأنا أقنع نفسي أنني تجاوزت كل شيء بينما كنت في الحقيقة أهرب.
فتحت بابا لبداية جديدة.
بداية لا تقوم على الحقوق ولا على المطالبة ولا على شعور زائف بالذنب.
بداية تقوم على الاختيار.
على أن يختار هو وأن أقبل أنا بالمكان الذي يسمح لي به.
لا بداية قائمة على
قررت أن أذهب.
لم أخبر أحدا.
لم أحضر كلمات.
لم أتدرب على لقاء.
ذهبت كما يذهب إنسان يعرف أنه ضيف لا صاحب مكان.
دخلت المعرض بهدوء.
كان المكان ممتلئا بالناس بالأضواء بالأحاديث المتقاطعة وبذلك الضجيج الخفيف الذي يرافق المناسبات الثقافية.
وقفت بين الحضور.
لا في الصف الأول كي لا أبدو متطفلا.
ولا في الظل التام كي لا أبدو هاربا.
اخترت مكانا وسطا يشبه تماما موقعي في حياته.
رأيته من بعيد.
لم أحتج إلى من يدلني عليه.
كان واضحا.
واقفا بثقة يتحدث يشرح أعماله يبتسم دون تكلف.
لم يعد ذلك الطفل الصامت الذي كان يطأطئ رأسه.
كان رجلا يعرف من هو وماذا صنع وإلى أين يتجه.
راقبته بصمت.
لم أقترب.
لم أفرض لحظة عناق.
لم أبحث عن دمعة.
اكتفيت بأن أكون هناك.
أن أراه وأن أسمح لنفسي بالاعتراف ولو داخليا أنني فخور به حتى إن لم يكن لي الحق في قول ذلك بصوت عال.
وعندما انتهى الافتتاح بدأ الناس يغادرون.
تحرك في القاعة مر بالقرب مني.
توقف لحظة.
نظر إلي.
لم يتكلم.
لم يبتسم ابتسامة كبيرة.
لم يتجاهلني أيضا.
أومأ برأسه.
إيماءة صغيرة.
هادئة.
بلا
لكنها كانت كل شيء.
كانت اعترافا بوجودي.
وليست عودة كاملة.
كانت قبولا مشروطا لا غفرانا مطلقا.
وكان ذلك بالنسبة لي أكثر مما أستحق.
في تلك اللحظة فهمت درسا تأخر كثيرا.
فهمت أن بعض الأخطاء لا يمكن محوها.
لا يمكن التظاهر بأنها لم تحدث.
ولا يمكن إصلاحها بالكامل مهما طال الزمن أو صدقت النيات.
هناك أفعال حين ترتكب تترك أثرا دائما مثل ندبة لا تختفي لكنها تتوقف عن النزف.
لكن الندم الصادق
حين يكون حقيقيا غير صاخب غير استعراضي
حين لا يطلب تصفيقا ولا غفرانا سريعا
حين يكون صامتا مستمرا ومسؤولا
قد يجد طريقه إلى القلب.
لا ليعيد الماضي.
ولا ليغير ما حدث.
بل ليمنع تكرار الخراب.
ليجعلنا أهدأ أصدق وأكثر وعيا بما يمكن أن ندمره بكلمة واحدة.
وتعلمت أخيرا أن السعادة لا تكمن في الكمال.
ولا في أن نكون آباء مثاليين.
ولا في أن نعيش بلا أخطاء.
فهذا وهم.
السعادة الحقيقية تكمن في الشجاعة.
شجاعة مواجهة أنفسنا دون أعذار.
شجاعة الاعتراف بما خذلناه وبمن آذيناه.
وشجاعة البقاء
حتى حين لا يطلب منا البقاء.
حتى حين يكون وجودنا صامتا غير مرئي وغير مضمون.
أحيانا هذا هو أقصى ما يمكننا فعله.
وأحيانا يكون كافيا.
هكذا
يمكن لشيء جديد أن يبدأ.
لا بداية صاخبة
ولا نهاية مثالية
بل مسار هادئ ناضج صادق.
ولو جاء متأخرا.