كان المليونير مريضا جدا ولم يستطع احد تفسير حالته
شيء غير ضروري.
تراجعت صوفيا خطوة إلى الخلف والدم ينسحب من وجهها.
لم تكن تكتشف تسميم رجل ثري فقط
بل كانت تقف في قلب مؤامرة قتل.
وأدركت في تلك اللحظة أن حياتها أصبحت جزءا من الخطر نفسه.
لم تتحرك صوفيا من مكانها فور اختفاء الأصوات. بقيت واقفة داخل غرفة الملابس ظهرها ملاصق للجدار المتآكل والهاتف القديم في يدها كأنه دليل إدانة لا تعرف كيف تحمله. كانت أنفاسها متقطعة وعقلها يعمل بسرعة مؤلمة يحاول ترتيب ما سمعته وما رأته وما يعنيه كل ذلك.
إلينا زوجته.
ورجل آخر.
وتسميم بطيء محسوب يمتد لسنوات.
لم يكن ريتشارد مريضا. كان يقتل.
وضعت صوفيا الهاتف داخل حقيبتها بحذر ثم أعادت قطعة الخشب الساقطة إلى مكانها قدر المستطاع ومسحت بقايا الغبار عن الجدار كي لا تترك أثرا واضحا. لم يكن الإخفاء مثاليا لكنه كان كافيا مؤقتا. الأهم الآن أن تخرج من الغرفة دون أن يلاحظ أحد ارتباكها.
فتحت باب غرفة الملابس بهدوء وألقت نظرة سريعة في الممر. كان خاليا. تحركت بخطوات بطيئة متعمدة كما لو كانت تؤدي عملها المعتاد ونزلت الدرج الخلفي المؤدي إلى الطابق السفلي.
في المطبخ كان كل شيء يبدو طبيعيا على نحو مزعج. الأضواء هادئة السطح الرخامي نظيف ورائحة القهوة تملأ المكان. جلست إلينا على الطاولة تقلب في هاتفها ووجهها هادئ إلى درجة مرعبة.
رفعت رأسها حين رأت صوفيا.
انتهيت
أجابت صوفيا بصوت منخفض
نعم سيدتي.
تأملتها إلينا لثوان نظرة فاحصة كأنها تحاول أن تقرأ ما وراء عينيها. شعرت صوفيا بأن قلبها يخفق بقوة لكنها أجبرت نفسها على الوقوف بثبات.
قالت إلينا أخيرا
بإمكانك الانصراف. غدا نبدأ مبكرا.
حسنا.
خرجت صوفيا من القصر تلك الليلة وهي تشعر بأن الهواء الخارجي أثقل من الداخل. لم تستقل الحافلة فورا. جلست على مقعد حجري بعيد عن البوابة وأخرجت الهاتف
ضغطت زر التشغيل.
اشتعلت الشاشة بعد ثوان وظهر شريط تسجيل طويل. عشرات المقاطع الصوتية بعضها مؤرخ قبل أشهر وبعضها يعود إلى سنوات. فتحت أحدها عشوائيا.
جاء صوت إلينا واضحا
الجرعات يجب أن تبقى منخفضة. لا نريد موته سريعا.
ثم صوت الرجل
الرصاص سيتكفل بالباقي. التحاليل لن تظهر شيئا محددا.
أغلقت صوفيا التسجيل وشعرت بالغثيان. لم يكن هذا مجرد حديث عابر. كان تخطيطا طويل الأمد موثقا باردا.
في تلك الليلة لم تنم. جلست في شقتها الصغيرة تفكر. هل تذهب إلى الشرطة هل تواجه ريتشارد ماذا لو لم يصدقها ماذا لو كانت إلينا تسبقها بخطوة
وفي الفجر اتخذت قرارها.
في صباح اليوم التالي عادت إلى القصر وكأن شيئا لم يتغير. ارتدت زيها المعتاد وربطت شعرها بإحكام ودخلت من الباب الخلفي. كان ريتشارد في غرفة الجلوس جالسا على الأريكة وجهه شاحب وعيناه غائرتان أكثر من المعتاد.
قال لها بابتسامة متعبة
صباح الخير يا صوفيا.
صباح الخير سيدي.
ترددت لثانية ثم اقتربت خطوة.
هل هل تشعر بتحسن اليوم
هز رأسه نافيا.
كالعادة. الصداع لم يفارقني منذ الفجر.
نظرت إلى كوب الدواء الموضوع على الطاولة. الحبوب البيضاء مرتبة بعناية.
سألت بهدوء
من يعطيك الدواء
أجاب دون تردد
إلينا. تهتم بكل شيء.
صمتت صوفيا لحظة ثم قالت
هل تسمح لي بسؤال شخصي
رفع نظره إليها باستغراب.
تفضلي.
هل سبق أن شعرت بأن مرضك يشتد في غرفة النوم أكثر من أي مكان آخر
تجمدت ملامحه قليلا.
لم أفكر في الأمر لكن نعم. الصباح دائما الأسوأ.
أخذت نفسا عميقا.
سيدي ما سأقوله قد يبدو غريبا وربما مزعجا لكني أظن أن مرضك ليس طبيعيا.
ضحك بخفة ضحكة قصيرة يائسة.
سمعت ذلك من أطباء كثر.
مدت يدها ببطء داخل حقيبتها وأخرجت الهاتف القديم ووضعته على الطاولة أمامه.
قالت بصوت ثابت رغم الارتجاف في
اسمع هذا من فضلك.
ضغطت زر التشغيل.
وانطلق صوت إلينا.
تغير وجه ريتشارد في ثوان. اختفت الابتسامة وتحولت الدهشة إلى إنكار ثم إلى شيء أعمق ألم صامت.
أوقف التسجيل.
من أين حصلت على هذا
من خلف جدار غرفة نومك.
نظر إليها طويلا ثم نهض ببطء وكأنه يحمل جسدا أثقل من المعتاد.
تعالي معي.
قادها إلى الطابق العلوي إلى غرفة الملابس. أزاح الخزانة بنفسه وضغط على الجدار فانكشف الجزء المتآكل.
لم يقل شيئا.
جلس على الأرض.
وفي تلك اللحظة لم يكن رجل أعمال ولا مليونيرا بل إنسانا أدرك أن أقرب الناس إليه كانوا السبب في موته البطيء.
رفع رأسه أخيرا وقال بصوت مبحوح
كنت أظن أن المرض أسوأ ما يمكن أن يحدث لي لم أتخيل أن الخيانة ستكون أقسى.
صمت قليلا ثم نظر إلى صوفيا.
أنت أنقذت حياتي.
لم تجب. لم يكن هناك ما يقال.
في تلك اللحظة سمع صوت خطوات في الممر.
وصوت إلينا يقترب.
تجمدت صوفيا في مكانها حين سمعت وقع الخطوات يقترب من باب غرفة الملابس. لم يكن الصوت متعجلا ولا مترددا بل واثقا مألوفا صوت شخص يعتقد أن المكان كله تحت سيطرته. نهض ريتشارد ببطء وأسند يده إلى الخزانة ليقف وقد بدا عليه الإرهاق لكن في عينيه ظهر شيء جديد لم تره صوفيا من قبل وعي حاد يقظ خال من الضباب.
انفتح الباب.
دخلت إلينا وهي تحمل صينية صغيرة عليها كوب ماء وعلبة الدواء المعتادة. توقفت فجأة عندما رأت الخزانة مزاحة والجدار مكشوفا جزئيا. انتقلت نظرتها من الجدار إلى الهاتف على الطاولة ثم إلى وجه ريتشارد.
قالت بصوت حاولت أن تجعله طبيعيا
ماذا يحدث هنا ولماذا الخزانة
قاطعها ريتشارد بهدوء مخيف
منذ متى وأنت تعطينني الرصاص
سقط الكوب من يدها وارتطم بالأرض متهشما. للحظة بدت وكأنها ستنكر لكن عينيها خانتاها. التفتت نحو صوفيا ثم عادت إلى ريتشارد.
من قال لك هذا
أشار إلى
هذا قال لي.
اقتربت خطوة محاولة استعادة رباطة جأشها.
ريتشارد أنت مريض. تعرف ذلك. هذه مجرد أوهام.
قال بصوت منخفض
الأوهام لا تترك تسجيلات صوتية.
ساد صمت ثقيل. حاولت إلينا الابتسام لكن شفتيها ارتجفتا.
حتى لو كان هناك شيء ما فأنا فعلت ذلك لأجلك. كنت تتألم تتعذب. أردت أن أنهي معاناتك بهدوء.
نظر إليها طويلا.
معاناتي أم طموحك
لم تجب. لم يكن هناك ما يمكن قوله.
في تلك اللحظة انفتح الباب الخارجي لغرفة النوم بعنف. دخل ديفيد شقيق ريتشارد الأصغر وعيناه تلمعان بقلق وغضب.
ما الذي يجري سأل بحدة.
لم ينتظر جوابا. رأى الجدار رأى الهاتف وفهم.
قال بسخرية مريرة
يبدو أن الخادمة كانت فضولية أكثر من اللازم.
تحرك خطوة نحو صوفيا لكن ريتشارد وقف بينهما.
لا تقترب منها.
ضحك ديفيد.
أخي العزيز بعد كل ما فعلناه ما زلت تظن أنك تتحكم
رد ريتشارد بصوت ثابت
نعم. للمرة الأولى منذ سنوات.
أخرج هاتفه الخاص من جيبه.
وكل كلمة قيلت هنا منذ دقائق مسجلة أيضا.
تراجع ديفيد خطوة.
ريتشارد دعنا نتحدث بعقلانية. يمكننا حل هذا. المال موجود. النفوذ موجود.
قال ريتشارد
أما الثقة فقد ماتت خلف هذا الجدار.
ضغط زر الاتصال.
مرحبا أريد الإبلاغ عن محاولة قتل مستمرة منذ ثلاث سنوات. العنوان
صرخت إلينا
ريتشارد أرجوك!
لكن الصوت في الطرف الآخر كان قد بدأ بطرح الأسئلة.
جلس ريتشارد على حافة السرير بعد أن أنهى المكالمة. بدا عليه التعب لكن صوته بقي حازما.
الشرطة في الطريق.
انهارت إلينا على الكرسي ووضعت يديها على وجهها.
لم يكن من المفترض أن ينتهي هكذا.
قال ريتشارد بمرارة
دائما ينتهي هكذا.
حين وصلت الشرطة كانت الحقيقة جاهزة. الجدار المفتوح الأنابيب المتآكلة الهاتف التسجيلات وتحاليل الدم التي كان ريتشارد قد أجراها سرا في اليوم السابق بعدما تحدثت إليه
لم تقاوم إلينا.
لم ينكر ديفيد طويلا.
اقتيدا معا تاركين خلفهما قصرا فقد صمته المصطنع.
في الأيام التالية نقل ريتشارد