صدمة تُربك مليونير
كان بيدرو يمشي بخطوات صغيرة إلى جوار والده يمسك يده ببراءة طفل اعتاد أن يرى العالم آمناعلى الأقل داخل حدود المدرسة الخاصة والسيارة السوداء اللامعة والبيت الواسع الذي لا يعرف معنى الجوع.
لكن ذلك اليوم كان مختلفا.
الشارع ضيق مختنق بزحام البشر والضجيج والرائحة الثقيلة التي تختلط فيها بقايا الطعام بعوادم السيارات. أكياس قمامة سوداء مكدسة على الأرصفة. باعة متجولون يصيحون. وأطفال يركضون بين الفوضى كأنها ملعب طبيعي.
لم يكن إدواردو فرناندز يحب المرور من هنا أصلا.
هو رجل أعمال يعرف كيف يختار الطرق النظيفة لكن حادثا على الشارع الرئيسي أجبر السائق أن يسلك هذا الطريق الخلفي طريقا يكره إدواردو أن يراه ابنه لأنه يفضح شيئا لا يريد الاعتراف به أن العالم ليس بيتهم فقط.
فجأة شد بيدرو يد أبيه وتوقف.
ثم قال بصوت طفولي صادق كأنه اكتشف سرا
بابا هذان الطفلان النائمان عند القمامة يشبهانني تماما.
تجمد إدواردو في مكانه.
اتبع إصبع ابنه وهناك على الرصيف فوق مرتبة قديمة ممزقة كان طفلان في عمر قريب من عمر بيدرو ملتفين على أنفسهما كقطتين هزيلتين في ليلة برد. ملابس قذرة ممزقة. أقدام حافية. خدوش وجروح واضحة في الأصابع والكعبين.
مشهد يعتصر القلب لكنه ليس شيئا جديدا على المدينة.
الجديد فقط هو الجملة التي قالها بيدرو.
وذلك الإحساس الذي ضرب
يشبهانني.
شد إدواردو يد بيدرو بسرعة.
يلا يا بيدرو بسرعة. ما بنقدر نوقف هون.
كان يريد أن ينهي الأمر في ثانيتين نظرة عابرة ثم الذهاب. هكذا يعيش الأغنياء في مواجهة الفقر يرونه للحظة ثم ينسونه عمدا.
لكن بيدرو لم يكن غنيا في قلبه.
فجأة أفلت يد والده وركض نحو المرتبة دون أن يسمع احتجاج إدواردو.
بيدرو! ارجع! لا تركض!
ركض إدواردو خلفه لا لأن ابنه قد يتأذى فقط بل لأن هذا الحي يحمل أخبارا لا تنتهي عن السرقة والعنف والمشاكل. ساعة إدواردو الذهبية وحدها كانت دعوة مفتوحة لأي لص.
ركع بيدرو بجانب الطفلين وانحنى يحدق في وجهيهما بفضول لطيف.
إدواردو وقف فوقهما كجدار من القلق.
وبينما عيناه تمران سريعا على ملامح الطفلين بدأت قشعريرة غريبة تتسلل إلى ظهره.
الطفل الأول شعره بني فاتح مموج حتى الغبار لم يطفئ لمعته.
والثاني أغمق قليلا بملامح مختلفة في اللون لكن الهيئة نفسها.
والمفاجأة
الحاجبان المعقوفان نفسيهما.
الوجه البيضاوي ذاته.
وحتى تلك الغمازة الصغيرة عند الذقن الغمازة التي يعرفها إدواردو جيدا لأنها وراثة من أم بيدرو الراحلة باتريسيا.
ابتلع إدواردو ريقه بصعوبة.
هذا ليس تشابه أطفال.
هذا شيء آخر.
شيء مزعج كأن الزمن انقسم أمامه إلى ثلاث نسخ من طفل واحد.
اقترب أكثر خطوة بخطوة وكأنه يخشى أن تقترب الحقيقة
بيدرو خلص يلا نروح. الآن.
لكن بيدرو لم يتحرك.
بل قال وهو يشير إلى وجه الطفل الأقرب
شوف عيونهم يا بابا نفس عيوني!
في تلك اللحظة تحرك الطفل البني ببطء فتح عينيه بتعب شديد ثم نظر.
وكانت الصدمة كافية لتكسر ظهر المنطق
عينان خضراوان.
ليستا خضراوين فقط بل نفس الشكل اللوزي نفس اللمعة الطبيعية نفس النظرة التي يعرفها إدواردو في ابنه كل يوم.
ارتجف إدواردو.
الطفل انتفض عندما رأى غرباء فوقه وهز أخاه بسرعة وهمس له.
قفزا معا من فوق المرتبة وتراجعا خطوة إلى الخلف ثم تشابكت أذرعهما تلقائيا كأنهما تعلما منذ زمن أن العالم خطر.
تقدم الطفل الأكبر نصف خطوة ووضع جسده أمام أخيه بحركة حماية غريزية.
وفي اللحظة نفسها شعر إدواردو أنه يرى مشهدا مألوفا جدا
هذه الحركة يفعلها بيدرو في المدرسة عندما يحاول طفل متنمر أن يخيف أحد زملائه.
نفس الوقفة.
نفس الشجاعة الصغيرة المختلطة بالخوف.
نفس طريقة شد الكتفين.
أسند إدواردو يده على حائط قريب حتى لا يسقط.
الطفلان ارتجفا لكنهما لم يهربا.
وقال الطفل البني بصوت مكسور
لو سمحت لا تؤذينا.
صوت طفل.
لكن وقع الجملة على قلب إدواردو كان كوقع سكين.
لأن هذا الصوت لم يكن غريبا عنه.
لم يكن مجرد نبرة عالية بل الإيقاع نفسه.
كأن بيدرو يتحدث لكن من فم آخر.
ثم فتح الطفل الآخر عينيه بالكامل.
وهنا كاد إدواردو
نفس العينين.
لكن فيهما شيء أعمق حذر أكبر خوف أقدم ووجع لا يليق بعمر خمس سنوات.
جلس بيدرو على الرصيف دون أي اهتمام ببدلته المدرسية المكلفة وقال ببراءة
إيش اسمك
تردد الطفل البني قليلا ثم قال
أنا لوكاس.
وأشار إلى أخيه
وهذا ماتيو أخي الصغير.
في لحظة واحدة شعر إدواردو أن الأرض تميد تحته.
لوكاس ماتيو
هذان الاسمان تحديدا كانا مكتوبين منذ خمس سنوات على ورقة صغيرة داخل درج غرفة النوم.
أسماء كان هو وباتريسيا يختارونها احتياطا إن كانت الولادة ستأتي بثلاثة أطفال.
لم يقلها لأحد.
لم يذكرها حتى لبيدرو.
كيف يعرفانها
كيف
بل كيف يقفان الآن أمامه من لحم ودم على رصيف قذر بجانب القمامة ويقولان لهدون أن يقصداإن حياته التي عاشها خمس سنوات ربما كانت كذبة كبيرة
ابتسم بيدرو ومد يده ولمس يد لوكاس المتسخة كأنه يعرفه منذ عمر.
وقال ببساطة
ليش نايمين هون وين بيتكم
نظر ماتيو إلى الأرض ثم رفع عينيه الخضراوين بصعوبة وقال بصوت ضعيف
ما عنا بيت
الخالة خالتنا قالت ما عاد معها مصاري وجابتنا بالليل وتركتنا هون.
قالت حدا رح يجي يساعدنا.
تسمرت كلمات الخالة في رأس إدواردو.
ومعها الاسم الذي سيسقط بعد قليل كالصاعقة.
سأل إدواردو بصوت مبحوح وهو ينحني إلى مستوى الطفلين
خالتكم اسمها شو
نظر لوكاس إليه ثم قال بكل بساطة
مارسيا.
في تلك اللحظة جمد الدم
مارسيا.
هذا ليس اسما عاديا.
هذا اسم أخت باتريسيا الصغيرة التي اختفت