صدمة تُربك مليونير

لمحة نيوز


من حياتهم بعد الولادة المأساوية
الأخت التي كانت دائما مضطربة كثيرة الديون كثيرة الأسرار.
الأخت التي كانت في المستشفى ليلة الولادة تسأل أسئلة غريبة وتتحرك بعصبية لا تفسير لها.
والآن
مارسيا هي التي تركت هذين الطفلين في الشارع.
إدواردو لم يعد يسمع ضجيج المدينة.
لم يعد يرى شيئا سوى
ثلاثة أطفال نفس العينين نفس التفاصيل ونفس القدر الغامض الذي يصرخ في وجهه
هناك حقيقة مدفونة ولا بد أن تكشف.
رفع بيدرو عينيه إلى والده والدموع تتجمع فيها بصدق
بابا هم جوعانين. ما بصير نتركهم.
إدواردو نظر إلى الطفلين مرة أخرى.
الهزال واضح.
الخدود غائرة.
الهالات السوداء تحت العينين كأنها آثار ليال طويلة بلا نوم ولا طعام.
وفجأة شعر بشيء يهوي داخله
ليس شفقة فقط
بل إحساس غريب يشبه الندم يشبه الخوف ويشبه كلمة لم يجرؤ على قولها حتى الآن
أولادي
وقف إدواردو صامتا لثوان طويلة كأن الزمن توقف عند تلك الكلمة التي لم تخرج من فمه بعد. كانت المدينة من حوله تضج بالحياة أبواق السيارات أصوات الباعة ضحكات الأطفال لكن داخله كان فراغا صاخبا فراغا يضغط على صدره حتى كاد يختنق.
نظر إلى لوكاس وماتيو مرة أخرى.
لم يعودا مجرد طفلين مشردين.
كانا لغزا حيا.
انحنى ببطء وأخرج محفظته الجلدية الفاخرة ومد يده المرتجفة إلى الداخل ثم تراجع فجأة. لا المال وحده

لا يكفي. المال لن يجيب عن الأسئلة التي تنهش رأسه.
قال بصوت حاول أن يجعله ثابتا
اسمعوني يا أولاد خلونا نطلع من هون شوي. بس نركب السيارة ونحكي بهدوء تمام
تبادل الطفلان نظرة سريعة تلك النظرة التي يتقنها من تعلم الحذر مبكرا. لم تكن نظرة رفض بل خوفا ممزوجا بأمل خجول.
سبقهم بيدرو أمسك بيد لوكاس بفرح طفولي وقال بثقة
ما تخافوا. هاي سيارة بابا. وبابا ما بيأذي حدا.
كان في صوته يقين غريب
يقين طفل يشعر أن ما يحدث صحيح حتى لو لم يفهمه.
سارا معا نحو السيارة السوداء المركونة على بعد أمتار. كل خطوة كانت تزيد ثقل الحقيقة على كتفي إدواردو. المارة أخذوا يحدقون. البعض همس. آخرون ابتسموا بدهشة.
ثلاثة أطفال
الطول نفسه
الهيئة نفسها
وكأنهم خرجوا من قالب واحد.
فتح إدواردو الباب الخلفي وتردد لحظة قبل أن يسمح لهما بالدخول. لم يكن هذا ترددا في المساعدة بل خوفا من أن يكون ما يفعله نقطة اللاعودة.
جلس لوكاس وماتيو على المقاعد الجلدية بتردد يلمسانها بحذر كأنها شيء هش أو محرم. أما بيدرو فجلس بينهما مباشرة وكأنه وجد مكانه الطبيعي أخيرا.
قال ماتيو بصوت منخفض وعيناه تلمعان
السيارة ريحتها حلوة متل الفنادق اللي بنشوفها بالتلفزيون.
ابتسم بيدرو وقال بحماس
لأن بابا دايما يحب النظافة. رح تحبوا بيتنا كمان.
أدار إدواردو المحرك وتحركت
السيارة ببطء. نظر إلى المرآة الأمامية فرأى المشهد الذي زلزل روحه
لوكاس كان يضع ذراعه تلقائيا خلف ظهر ماتيو بحركة حماية.
بيدرو فعل الشيء نفسه في اللحظة نفسها.
ثلاثة أذرع.
حركة واحدة.
أغمض إدواردو عينيه لثانية.
هذا لم يعد صدفة.
هذا كان نداء صريحا للحقيقة.
بعد دقائق من الصمت الثقيل كسره صوت لوكاس
سيدي هل رح نرجع الشارع بعدين
سؤال بسيط لكنه طعن قلب إدواردو بلا رحمة.
أجاب ببطء وبصوت لم يخرج منه منذ سنوات
لا ما رح ترجعوا اليوم.
نظر الطفلان إلى بعضهما بدهشة.
أما بيدرو فابتسم ابتسامة واسعة كأن قلبه كان يعرف الجواب مسبقا.
شفتوا قلتلكم بابا طيب.
وصلوا إلى القصر بعد وقت قصير. بوابة حديدية ضخمة حدائق مرتبة صمت لا يشبه صخب الشارع الذي تركوه خلفهم.
توقف لوكاس وماتيو أمام المشهد وتجمدا في مكانهما.
قال ماتيو هامسا
هون بيسكن الملوك
أجابه بيدرو ضاحكا
لا بس بابا.
دخلوا البيت.
وبمجرد أن رأت الخادمة روزا الأطفال الثلاثة معا شهقت ووضعت يدها على فمها.
يا إلهي سيدي كأنهم نسخ!
لم يجب إدواردو.
كان عقله في مكان آخر.
كان يفكر في مارسيا.
في المستشفى.
في ليلة الولادة.
في الأوراق التي لم يقرأها جيدا.
وفي الحقيقة التي ربما سرقت منه دون أن يدري.
اقترب من الهاتف وتردد ثانية واحدة فقط ثم اتخذ قراره.
همس لنفسه
الحقيقة لازم تطلع.
مهما كان الثمن.
أخذ إدواردو نفسا عميقا كأنه يستجمع شجاعة لمواجهة حرب قادمة. كان لوكاس وماتيو يقفان في وسط الصالة الواسعة يلتفتان حولهما بذهول طفلين دخلا عالما لا يشبه شيئا عرفاه من قبل. الثريات السجاد الناعم الجدران العالية كل شيء بدا لهما كحلم هش يخافان أن يستيقظا منه في أي لحظة.
اقتربت روزا بخطوات سريعة وجثت أمامهما فورا دون تردد. لم تر فيهما أطفال الشارع بل رأت طفلين متعبين يحتاجان إلى دفء.
قالت بحزم أمومي
تعالوا معي يا صغاري أولا حمام دافئ وبعدها أكل حقيقي.
تردد لوكاس لحظة ثم نظر إلى بيدرو. أومأ له بيدرو بثقة فمد لوكاس يده ببطء كأن هذه الحركة وحدها تحتاج إلى شجاعة. أمسكها ماتيو فورا وكأن الخوف لا يتركه حتى وهو يدخل الأمان.
صعدوا الدرج وبقي إدواردو وحده في الصالة.
جلس على الأريكة وأسند رأسه إلى كفيه. كل صورة من الماضي بدأت تعود بوضوح مؤلم غرفة الولادة صراخ باتريسيا ارتباك الأطباء بكاء طفل واحد فقط ثم الصمت.
كان هناك دائما سؤال دفنه في أعماقه
لماذا لم يسمحوا له برؤية الأطفال جميعا
لماذا قالوا إن الوضع كان حرجا
ولماذا اختفت مارسيا بعد الجنازة مباشرة
وقف فجأة وكأن فكرة ضربته بقوة. اتجه إلى المكتب الصغير الملحق بالصالة فتح درجا قديما لم يفتحه منذ سنوات وأخرج ملفا أصفر باهتا. أوراق المستشفى.
بدأ
يقلب الصفحات بعينين متوترتين حتى توقف.
تقرير مختصر.
توقيع غير واضح.
وخانة فارغة حيث
 

تم نسخ الرابط