كان ابن المليونير اعمي الي ان نزعت طفلة صغيرة شيئا من عينيه

لمحة نيوز


على خشب البيانو.
شعر باهتزاز
نبض منتظم
كأن الجدار نفسه حي.
همس وصوته بالكاد يخرج
إنهم هناك.
كانت الحقيقة المختبئة وراء اثني عشر عاما من العمى خلف هذا الجدار مباشرة.
وفجأة انطفأت أضواء الحديقة.
لم يكن انقطاع كهرباء.
كان ظلا هائلا قد سقط على القصر.
تحول النهار إلى ليل.
قالت صوفيا بصوت خافت لكنه حاسم
عادوا إلى موطنهم.
لم يتردد ريكاردو. صرخ بأعلى صوته
أحضروا أدوات الهدم. اكسروا هذا الجدار فورا!
تجمع الحراس ومع أول ضربة انهار الجدار الداخلي لغرفة الموسيقى.
انفجرت الرائحة.
عفن قديم
وذلك المعدن نفسه.
داخل التجويف الضيق رأوهم.
عشرات من النوكتورن.
بعضها يزحف ببطء على العزل.
بعضها متكتل في كتلة سوداء نابضة تتحرك كما لو كانت كائنا واحدا.
حين سلط ريكاردو مصباحه اليدوي اهتزت الكتلة وارتفعت أصوات صرير حادة جماعية مزقت الصمت.
قالت صوفيا
انظروا جيدا إنهم لا يتغذون على اللحم فقط.
كانت تتغذى على العتمة التي صنعها عمى ماتيو.
كائنات تعايشت مع الصدمة.
تزدهر حيث تدفن الذكريات.
لكن في مركز العش
كان هناك شيء لا ينتمي.
شيء غير عضوي.
مدت صوفيا يدها بلا تردد وسحبته.
صندوق موسيقى صغير
خشبي داكن مغطى بالغبار وخيوط العنكبوت.
توقف قلب ريكاردو.
عرفه فورا.
كان ملكا لزوجته.
زوجته التي ماتت قبل اثني عشر عاما في حادث سيارة
في اليوم نفسه الذي فقد فيه ماتيو بصره.
كان ريكاردو قد قال إن الصندوق

فقد أثناء الانتقال.
لكن ها هو
مخفي داخل الجدار.
فتحته صوفيا.
لم يكن بداخله راقصة.
بل صورة.
ماتيو في السابعة من عمره يبتسم بجانب أمه.
وعلى ظهر الصورة
خط مرتجف مذعور
لا أعرف كيف أخفيه. الطفل رأى كل شيء. لا يمكنني السماح لريكاردو بأن يعرف. هذا سيدمر كل شيء.
ابتلع الصمت الغرفة.
لم يصب ماتيو بالعمى بسبب الصدمة.
بل لأنه رأى ما لم يكن مسموحا له أن يراه.
همس ماتيو وصوته يرتجف
ماذا ماذا رأيت
قالت صوفيا بهدوء قاتل
الذاكرة تعود. الاتصال عاد.
أمسك ماتيو رأسه.
قال وكأن الصور تنفجر داخله
السيارة لم يكن حادثا. رأيت ذلك قبل أن يعود أبي إلى البيت. لم تكن أمي وحدها.
وفي تلك اللحظة
تحرك ظل آخر.
من خلف لوحة خدمة مخفية خرج رجل.
دانيال.
مهندس سابق طرده ريكاردو قبل سنوات.
كان يحمل سلاحا موجها إياه نحو صوفيا.
قال بفحيح حاقد
الفتاة يجب أن تموت. لقد دمرت كل شيء.
انفجر المكان فوضى.
قذفت صوفيا أحد النوكتورن نحو وجهه.
انجذب الكائن إلى رعبه والتصق بجلده.
اندفع ريكاردو نحوه وأسقطه أرضا.
انهار دانيال.
اعترف بكل شيء
الاختلاس
التهديد
المطاردة التي تسببت في الحادث.
وكان ماتيو شاهدا على كل ذلك.
لم تكن النوكتورن المرض.
كانت العلاج.
تقنية صممت لحجب الذكريات الصادمة بالظلام.
وصلت أصوات صفارات الشرطة بعد دقائق بدت كأنها دهر كامل.
كان القصر غارقا في فوضى لم يشهدها من قبل جدار منهار رائحة عفن ومعادن
كائنات سوداء ميتة متناثرة وصمت ثقيل يضغط على الصدور.
كان دانيال مقيدا على الأرض يلهث كمن خرج لتوه من كابوس طويل.
لم يعد يقاوم.
لم يعد يصرخ.
كانت الحقيقة قد سحبت من الظلام تماما كما سحبت تلك الكائنات من عيني ماتيو.
جلس ماتيو على الأرض مستندا إلى البيانو يتنفس بصعوبة.
كان رأسه يؤلمه لكن الألم هذه المرة لم يكن مخيفا.
كان مختلفا.
قال بصوت متقطع
أشعر بشيء يتغير.
اقترب منه ريكاردو ببطء كأنه يخشى أن يفزع اللحظة.
ركع أمام ابنه ووضع يده على كتفه.
ماذا تشعر سأل.
تردد ماتيو ثم قال
الظلام لم يعد كثيفا. كأنه يتحرك. يتراجع.
كانت صوفيا تقف غير بعيد تراقب بصمت.
بدت فجأة متعبة أصغر من عمرها الحقيقي.
قالت بهدوء
الرؤية لن تعود دفعة واحدة. الكائنات لم تكن تسد الضوء فقط بل كانت تعزل الذاكرة. الآن كل شيء سيعود معا.
شهق ريكاردو
الذكريات
أومأت صوفيا.
الألم أيضا.
بعد ساعات في المستشفى خضع ماتيو لفحوصات لم يعرف الأطباء كيف يفسرون نتائجها.
كانت الإشارات العصبية تظهر.
ضعيفة لكنها موجودة.
بعد يومين استطاع أن يميز الضوء.
بعد أسبوع الأشكال.
وبعد شهر الوجوه.
في اليوم الذي فتح فيه عينيه ورأى العالم بوضوح لأول مرة كانت صوفيا تقف قرب النافذة.
كان أول ما رآه هي.
لم تكن صورة واضحة في البداية.
كانت ملامحها تتشكل ببطء كما لو أن العالم يتعلم من جديد كيف يرسم أمام عينيه.
ضوء خافت ظل جسد ثم وجه.
وجه
صوفيا.
تجمدت أنفاسه في صدره.
ارتجفت شفتاه.
وانهمرت دموعه قبل أن يدرك ما يحدث.
قال بصوت مبحوح مكسور كأن الكلمات تشق طريقها من عمق اثني عشر عاما من الصمت
كنت حقيقية
لم تكن جملة.
كانت اعترافا.
كانت دهشة طفل اكتشف أن ما ظنه حلما كان إنقاذا.
ابتسمت صوفيا ابتسامة صغيرة بلا فخر ولا انتصار بلا أي إحساس بأنها صنعت معجزة.
كأنها كانت تعرف منذ البداية أن هذا اليوم سيأتي.
قالت بهدوء يشبه الهمس
وأنت أيضا.
في تلك اللحظة فهم ماتيو شيئا لم يفهمه من قبل.
أنه لم يكن وحده من يعيش في الظلام.
وأن الرؤية ليست دائما في العينين.
بعد أيام قليلة ألقي القبض على دانيال رسميا.
لم يكن الاعتقال صاخبا كما تخيله ريكاردو في كوابيسه.
لم يكن هناك هروب ولا مقاومة.
كان دانيال شاحب الوجه خالي النظرات كأن كل ما فعله طوال السنوات الماضية انهار دفعة واحدة.
كشفت خيوط الاختلاس واحدة تلو الأخرى.
الحسابات السرية.
التهديدات.
المطاردة التي سبقت الحادث.
الرسائل المحذوفة.
كل شيء خرج إلى النور.
لم تعد هناك أسرار.
لكن الحقيقة الأقسى لم تكن تلك التي قرأها المحققون.
ولا تلك التي تناقلتها الصحف.
كانت الحقيقة التي واجهت ريكاردو وحده في صمت غرفته حين أغلقت الأبواب وسكت العالم.
لقد عرف.
عرف أن ابنه لم يصب بالعمى لأن جسده خانه.
ولا لأن الطب عجز.
ولا لأن القدر كان قاسيا.
بل لأن عقل طفل في السابعة حاول أن يحمي نفسه.
يحمي
نفسه من مشهد لم يكن يجب على طفل أن يراه.
من حقيقة لم يحتملها قلب صغير.
من لحظة انكسرت فيها صورة العالم إلى الأبد.
جلس ريكاردو تلك الليلة في غرفة ابنه
 

تم نسخ الرابط