دخلت المطعم جائعه تبحث عن بقايا طعام وخرجت بقصة غيرت حياتها
لم يكن الخارج بل الداخل.
كان هناك معالج نفسي لم ينظر إلي يوما كضحية بل كإنسانة تستحق أن تسمع. علمني أن الفقر ليس وصمة وأن الجوع لا يعرف قيمة الإنسان وأن الماضي لا يملك حق التحكم في مستقبلي. تعلمت أن أقول لا دون شعور بالذنب وأن أطلب دون خجل وأن أرفع رأسي دون خوف.
شيئا فشيئا اختفى الصوت الذي كان يهمس لي كل ليلة
أنت أقل أنت لا تستحقين أنت زائدة عن الحاجة.
اليوم عمري ثلاثة وعشرون عاما.
حين أنظر في المرآة أرى امرأة مختلفة تماما عن تلك الفتاة التي كانت تلتقط بقايا الطعام من الطاولات. شعري نظيف مرفوع بعناية زيي مرتب وحذائي ثابت لا يخشى الطرقات. لم أعد أنحني حين أدخل مكانا ولم أعد أختبئ في الزوايا.
أعمل مشرفة في مطبخ المطعم نفسه الذي شهد أول تحول حقيقي في حياتي. المكان لم يعد مجرد جدران وأوان ونار مشتعلة بل صار جزءا من ذاكرتي من نبضي اليومي من إحساسي بذاتي. أعرف كل ركن فيه كما يعرف البيت الذي نشأنا فيه أعرف صرير الباب الخلفي حين يفتح فجأة وصوت الملعقة حين تسقط سهوا على الأرض ورائحة البصل في اللحظة التي يتحول فيها من حاد إلى حلو. أعرف متى يحتاج الحساء إلى دقيقة إضافية ليكتمل دفؤه ومتى يكون الخبز جاهزا ليخرج من الفرن دون أن يحترق. أعرف حتى الصمت الصمت الذي يسبق ازدحام الظهيرة والصمت الذي يلي انصراف آخر زبون.
لكن أهم ما تعلمته هنا
لهذا أحرص ألا يغيب طبق ساخن عن أي محتاج. لا أسأل عن الأسباب ولا أفتش في القصص ولا أطلب مبررات. الجوع لا يحتاج إلى إثبات والكرامة لا تفاوض. أحيانا يدخل أطفال بعيون أكبر من أعمارهم عيون تعرف التعب قبل أن تعرف اللعب يحملون حقائب مدرسية فارغة أكثر مما تحتمل. وأحيانا يدخل مسنون ظهورهم منحنية كأن السنين جلست فوقها يمشون ببطء لكن عيونهم ما زالت تقاوم. وأحيانا تدخل نساء حوامل يخفين قلقهن بابتسامة باهتة ويمسكن بطونهن كما لو كن يعتذرن عن حاجتهن.
كلهم يختلفون في القصص في الأعمار في الملامح لكنهم يشتركون في شيء واحد
جوع لا يقتصر على الطعام.
جوع لأن ينظر إليهم باحترام لا بشفقة.
جوع لأن يشعروا أنهم مرئيون لا مجرد أرقام عابرة.
جوع لأن يقول لهم أحد ولو مرة واحدة أنت لست عبئا.
وحين أضع الطعام أمامهم لا أتعجل. لا أراقب عدد اللقم ولا أحصي الوقت ولا أحرج أحدا بنظرات زائدة. أضع الطبق كما لو كنت أقدمه لشخص أعرفه منذ زمن أبتسم فقط وأقول بهدوء صادق لا تكلف فيه
كل بهدوء.
هنا لا يحكم عليك.
هنا نطعم.
أرى في عيونهم تلك اللحظة التي
كثيرون لا يقولون شيئا. بعضهم يبكي بصمت. بعضهم يبتسم ابتسامة سريعة كأنها اعتذار. وبعضهم يكتفي بهز رأسه. وأنا أفهمهم جميعا لأنني كنت هناك يوما.
أتذكر نفسي حين دخلت هذا المطعم أول مرة وأنا أرتجف من البرد والجوع والخوف. أتذكر كيف شعرت أنني دخيلة كأنني اقتحمت عالما ليس لي. كيف كنت أحاول أن أختفي أن أكون غير مرئية أن آكل بسرعة قبل أن يكتشف أمري. أتذكر كيف كان الخبز البارد وليمة وكيف كانت قطعة اللحم اليابسة حياة.
تلك الذكرى لا تفارقني ولا أريدها أن تفارقني. ليست جرحا بل بوصلة. تذكرني لماذا أنا هنا ولماذا لا يجب أن أغلق قلبي أبدا.
الرجل ما زال يأتي أحيانا. لم يعد يرتدي ربطة عنق مشدودة كما كان في ذلك اليوم الأول. صار أكثر بساطة أكثر إنسانية كأن شيئا ما تحرر فيه أيضا. يحييني بابتسامة صغيرة يعرف معناها وأحيانا بعد انتهاء الدوام نجلس معا نشرب القهوة في صمت مريح.
ذلك الصمت ليس فراغا بل امتلاء. صمت يفهم نفسه لا يحتاج إلى شرح.
لا نتحدث كثيرا عن الماضي. ليس لأننا ننساه بل لأنه أصبح مفهوما مستوعبا لم يعد يؤلم بالطريقة نفسها. الماضي صار خلفنا لا فوقنا.
قال لي ذات ليلة ونحن نراقب المطبخ
كنت أعلم أنك ستصلين بعيدا.
نظرت إليه وشعرت أن الكلمات التي سأقولها ليست مجاملة بل حقيقة خرجت من أعماق التجربة
أنت من ساعدني على البدء
أما الباقي ففعلته بالجوع.
ضحك ضحكة قصيرة تلك الضحكة التي تحمل معرفة لا سخرية وقال
الناس تستهين بقوة الجوع.
يظنون أنه يكسر فقط
لكنهم لا يعرفون أنه أحيانا يدفع الإنسان ليعيش.
كنت أعرف ذلك جيدا. أعرفه في جسدي في ذاكرتي في كل مرة أضع فيها طبقا ساخنا أمام شخص متردد. أعرفه لأن الجوع الذي كاد يقتلني يوما هو نفسه الذي علمني أن أتمسك بالحياة. علمني أن أطلب أن أقاوم أن أصدق أنني أستحق.
الجوع علمني الصبر لكنه علمني أيضا الغضب. الغضب النظيف الذي لا يدمر بل يطالب. علمني أن أرفض أن أكون رقما أن أرفض أن أمحى أن أتمسك باسمي وصوتي ووجودي.
لأن قصتي بدأت بين بقايا الطعام
أما اليوم فأنا لا أطبخ وجبات فحسب.
أنا أطبخ الأمل.
أطبخ فكرة أن الإنسان لا يقاس بما يملك بل بما ينقذ.
أطبخ إيمانا صغيرا بأن طبقا واحدا في اللحظة المناسبة قد يغير مسار حياة كاملة.
أطبخ ذاكرة جديدة لكل من ظن يوما أن لا مكان له.
وهكذا كل يوم حين أفتح باب المطبخ لا أشعر أنني أبدأ دواما جديدا بل أشعر أنني أفي بوعد قطعته لنفسي منذ تلك الليلة الأولى. وعد بأن لا أسمح للجوع أن يكون نهاية أحد إن استطعت
وهذا وحده كاف
لأستمر.