في طائرة على ارتفاع 11 ألف متر لحظة إنسانية صنعت قصة لن ينساها العالم

لمحة نيوز

لم يكن ريناتو ألبوكيركي رجلا يعرف الارتجاف.
لم ترتعش يداه يوما وهو يقف أمام قاعة مكتظة بالمستثمرين ولا حين وقع العقد الذي حول شركته إلى واحدة من عمالقة التكنولوجيا في البرازيل. لقد تعلم منذ وقت مبكر ألا يظهر شقوقه مكالمة واحدة شيك واحد أمر محسوب بدقة وكان العالم يستقيم كما يشاء.
لذلك فإن المرة الأولى التي شعر فيها بأنه على وشك الانفجار حقا لم تكن داخل مجلس إدارة بل على ارتفاع أحد عشر ألف متر داخل طائرة أقلعت للتو من ساو باولو متجهة إلى لشبونة.
كان يحمل بين ذراعيه لوكاس ابنه ذي الأشهر الستة. كان صغيرا دافئا تفوح منه تلك الرائحة الخاصة التي لا يعرفها إلا الآباء الجدد رائحة الحياة في بدايتها ومع ذلك كان يبكي كما لو أن الهواء نفسه يؤلمه. لم يكن بكاء جوع ولا نعاس بل صراخا طويلا متواصلا يائسا يتسلل إلى الأذنين وإلى الإحساس بالخزي كإبرة حادة.
أرجوك يا بني أرجوك
تمتم ريناتو للمرة التي لم يعد يستطيع عدها وهو يهزه بحركات مرتبكة.
ثلاث ساعات.
ثلاث ساعات من البكاء المتواصل.
ثلاث ساعات من النظرات المثبتة عليه من مقاعد درجة رجال الأعمال حواجب معقودة شفاه مشدودة زفرات ضيق تقول دون كلمات افعل شيئا وكأن الأبوة زر خفي لم ينجح في العثور عليه.
ظهرت

المضيفة عدة مرات بابتسامات أنهكها التكرار بطانية ماء ساخن اقتراحات لطيفة ذلك التعاطف المهني الذي يحاول المساعدة دون أن ينطق بما يفكر فيه الجميع.
ربما تؤلمه أذناه بسبب ضغط الجو
قالت برفق.
هل جربت تدليكهما قليلا
كان ريناتو قد جرب كل شيء.
الرضاعة.
تغيير الحفاض.
الأغنية.
اللهاية.
المشي في الممر كمن يؤدي كفارة.
حتى تلك السماعات الصغيرة ذات الضجيج الأبيض التي اشتراها تحسبا.
كان لوكاس يهدأ لخمسة عشر ثانية ثم يعود أقوى محمر الوجه متشنج الجسد قبضتاه مضمومتان ووجهه غارق بالدموع.
تمتم أحدهم بصوت لم يكن منخفضا كما ظن
في زمننا لم يكن الأطفال يبكون هكذا في الأماكن العامة.
شعر ريناتو بالغضب يصعد إلى صدره حارا ومهينا. أراد أن يرد ردا أنيقا قاطعا يضع الجميع في أماكنهم. لكن لوكاس صرخ أعلى كأنه يستشعر التوتر في جسد والده فأدرك ريناتو بألم مرير أنه لا توجد هنا مراتب ولا مكانة اجتماعية بل رجل لا يعرف كيف يهدئ ابنه.
كانت كاميلا زوجته هي من تنجح في ذلك دائما. كانت يداها هادئتين وصبرها يبدو بلا حدود. لكنها في ذلك الصباح كانت تعاني من حمى شديدة واضطرت للبقاء في البرازيل. سافر ريناتو وحده كما اعتاد كثيرا مقتنعا بأنه قادر على كل شيء. وها هو الآن مهزوم أمام
طفل في شهره السادس.
وحين تزايدت الشكاوى اقترب مسؤول الطائرة بنبرة مهذبة تخفي أمرا واضحا
سيدي بعض الركاب يشتكون. هل يمكنكم محاولة تهدئته في الجزء الخلفي المكان هناك أكثر خصوصية.
خصوصية.
فهم ريناتو المعنى الحقيقي تحرك أنت تزعج.
احمر وجهه أمسك حقيبة الحفاضات وسار نحو مؤخرة الطائرة حاملا لوكاس الذي كان يصرخ كما لو أن العالم ينهار. وحين اجتاز الستارة إلى الدرجة السياحية تضاعف الإحساس بالضغط لا بسبب البكاء بل بسبب عدد الوجوه. مئتا وجه. مئتا قصة. مئتا ضيق.
صرخت امرأة
بالله عليكم! افعلوا شيئا بهذا الطفل!
استند ريناتو إلى الجدار الخلفي وقلبه يخفق في حلقه. نظر إلى ابنه متعرق مرهق عاجز عن الهدوء. وللمرة الأولى منذ سنوات قال جملة لم يسمح لنفسه بقولها من قبل
أنا آسف حقا. لم أعد أعرف ماذا أفعل.
عندها رأى فتى ينهض من أحد المقاعد الخلفية. أسود البشرة نحيف في حدود الرابعة عشرة من عمره يرتدي قميصا بسيطا ويضم حقيبة مهترئة إلى صدره. سار في الممر دون تردد بعزم صامت غير مكترث بالنظرات والهمسات وتوقف أمام ريناتو وقال بصوت هادئ على نحو غير متوقع
عذرا سيدي هل تسمح لي أن أحاول المساعدة
نظر إليه ريناتو كما ينظر إلى فكرة مستحيلة. في عالمه كانت المساعدة تأتي
من مختصين من حسابات مميزة من علاقات ونفوذ لا من فتى مجهول.
كيف
سأله دون أن يخفي شكه.
هل أنت طبيب
لا سيدي
أجاب الفتى دون أن ينزعج.
لكنني مررت بهذا من قبل.
ضحك رجل قريب بسخرية
بالطبع الفتى سيحل ما عجز عنه الأب.
لم يتراجع الفتى. لم يخفض بصره. بقي واقفا ثابتا ينتظر الإذن. وكان كبرياء ريناتو قد تحطم بالفعل خلال ثلاث ساعات من البكاء. وحين يبلغ الإنسان ذروة اليأس لا يعود يهم من يساعد بل أن يتوقف الألم.
حسنا
قال أخيرا.
جرب.
مد الفتى ذراعيه.
هل أستطيع حمله
سلمه ريناتو الطفل بحذر كأنه يخشى أن يزداد البكاء. لكن الفتى حمله بطريقة مختلفة غير متيبسة غير متوترة. أسند رأس الرضيع إلى كتفه الأيسر كأن تلك الوضعية لغة سرية وبدأ يدلك ظهره بحركات دائرية دقيقة ولطيفة. ثم همس في أذنه
اهدأ يا صغيري انتهى الأمر انتهى
وحدث ما لم يكن متوقعا انخفض صوت البكاء. لم يتوقف فورا لكنه تحول إلى أنين خافت كموجة تفقد قوتها قبل أن تبلغ الشاطئ. شعر ريناتو بعقدة في حلقه.
كيف
تمتم.
ماذا فعلت
لديه مغص
قال الفتى بهدوء دون أن يتوقف عن التدليك.
أحيانا يحتبس الهواء. ومع ضغط الطيران يزداد الأمر سوءا. لكن يجب الضغط هنا وبهذه الطريقة
غير وضعية لوكاس وجعله منبطحا على ذراعه مسندا
رأسه براحة يده واستمر في الحركات الدائرية كأنه يحل
 

تم نسخ الرابط