في طائرة على ارتفاع 11 ألف متر لحظة إنسانية صنعت قصة لن ينساها العالم

لمحة نيوز


معادلة دقيقة. وفجأة انطفأ البكاء تماما.
ساد صمت أقرب إلى القداسة داخل الطائرة. مئتا شخص ساكنين غير مصدقين كأن إنذارا ظل يدق في أرواحهم ساعات طويلة قد أطفئ فجأة. تنفس لوكاس بعمق استرخى جسده بل وكاد أن يرسم ابتسامة ناعسة.
ارتجفت يدا ريناتو.
يا إلهي
تمتم أحدهم
لقد نجح الفتى
نظر ريناتو إلى المراهق وكأنه يراه لأول مرة.
كيف تعلمت ذلك
هز الفتى كتفيه كأن الإجابة بديهية
الحاجة. كانت أختي الصغيرة تبكي هكذا عندما كانت رضيعة. لم تستطع أمي دفع أجرة طبيب فتعلمت. من المكتبة ومن التجربة ومن البحث.
لاحظ ريناتو حينها الحقيبة المهترئة. وعلى قماشها كانت هناك ميداليات صغيرة مخيطة بخيط بسيط.
هذه الميداليات
قال متسائلا.
احمر وجه الفتى.
أولمبياد مدرسية. في الرياضيات.
تدخل رجل قريب
هذا الفتى اسمه آرتور سانتوس. بطل الولاية ثلاث سنوات متتالية. نشر عنه في الصحف.
خفض آرتور رأسه بخجل.
لست مشهورا. أنا فقط أحب الأرقام.
شعر ريناتو بضربة غريبة في صدره مزيج من الدهشة والخجل. فهذا الفتى لم يهدئ ابنه فحسب بل كان يحمل على كتفيه حياة كاملة من الكفاح.
إلى أين تسافر يا آرتور
إلى لشبونة. سأمثل البرازيل في الأولمبياد الدولية للرياضيات.
وحدك
نعم. أمي

لا تملك المال للسفر. المنحة تغطي كل شيء لكن للطالب فقط.
غفا لوكاس تماما في ذراعي آرتور كأنه وجد أخيرا مرسى آمنا. ابتلع ريناتو ما تبقى من كبريائه وتجرأ على قول ما يشعر به حقا
لقد أنقذتني. وليس فقط من الضجيج بل من شعور الفشل.
نظر إليه آرتور بجدية تفوق سنه.
أنت لست فاشلا. كنت فقط خائفا. الأطفال يشعرون بذلك.
تنفس ريناتو بعمق. وفي تلك اللحظة أدرك أن هذه القصة لن تنتهي بالهبوط. كان هناك شيء يتحرك في داخله كأن بابا يفتح. لم يكن يعلم إلى أي مدى سيصل لكنه بات مستحيل الإغلاق.
عند وصولهم إلى لشبونة لم يسمح ريناتو لآرتور أن يكتفي بوجبة بسكويت على مقعد. اصطحبه إلى مقهى في حي شيادو طلب الطعام كما لو كان يطعم بطلا لأنه بالنسبة له كان كذلك واستمع إليه وهو يتحدث عن الهندسة ونظرية الأعداد وعن الدراسة في مكتبة عامة حين تكون مفتوحة وعن تعلم البرمجة ذاتيا بإنترنت مستعار وكتب مستعارة.
تعرف ريناتو في تلك الحكاية على شيء آلمه وألهمه معا هو أيضا نشأ بلا ترف مع أم أنهكتها الحياة ومع جوع للفرص. لكنه عبر صدفة ما وجد من مد له يد العون. والآن يرى آرتور أمامه يحمل الشعلة ذاتها لكن بأبواب أقل.
أريد أن أقدم لك عرضا
قال ريناتو بعد تفكير.
بغض
النظر عن نتيجة الأولمبياد أريد أن أمول دراستك. مدرسة جيدة أساتذة كل ما تحتاجه. ليست صدقة بل شراكة. تنمو أنت ونمضي يوما ما معا.
لم يجب آرتور فورا. نظر إلى لوكاس النائم ثم إلى حقيبته البالية كأنه يخشى أن يقول نعم فينكسر شيء.
هل يمكنني التفكير في الأمر
بالطبع. لكن اعلم أن العرض حقيقي.
مرت أيام المنافسة بين توتر ومعادلات وصمت طويل. كان ريناتو ينتظر خارج القاعات كمن ينتظر أخا أصغر. وعندما ظهرت النتائج بكى آرتور كان من بين الأفضل. وفي النهائي نافس كأن كل رقم سلم ينقذ به عائلته من الوحل. فاز. فاز حقا.
 ريناتو بقوة غير مكترث بالأنظار.
قلت لك
همس.
قلت لك.
وقال آرتور بعينين محمرتين جملة هزت ريناتو من الأعماق
لم يكن لدي يوما أب حقيقي. شخص يؤمن بي بلا شروط.
نظر إليه ريناتو وفهم أن العائلة أحيانا لا تبدأ بالدم بل بالحضور.
إذا أردت
قال بهدوء.
فلديك واحد الآن.
في رحلة العودة كان لوكاس نائما بسلام على صدر آرتور. الطائرة هي ذاتها لكن الحياة لم تعد كذلك.
في البرازيل تعرف ريناتو على والدة آرتور في المطار امرأة صغيرة متعبة بعينين تفيضان فخرا تحمل إيزابيلا الطفلة ذات العامين التي صرخت توتو! حين رأت أخاها. نظر ريناتو إلى المشهد
وشعر أن العالم قد يكون ظالما لكنه قادر أيضا على أن يكون جميلا على نحو معجز.
في غداء بسيط تحدث ريناتو بوضوح أراد أن يمول تعليم آرتور ويحسن حياة العائلة لا بدافع الشفقة بل لأنه رأى موهبة لا يجوز إهدارها. ارتجفت الأم وهي تسأل السؤال الأهم
وماذا تنتظر مقابل ذلك
أجاب ريناتو دون تمثيل
أن يبقى آرتور نزيها. وأن يستخدم موهبته لفعل الخير. هذا كل شيء.
بكت المرأة بصمت. وشد آرتور على يدها.
أمي أريد أن أقبل. أريد أن أدرس وأن أعيد للعالم ما حرمني منه.
وهكذا بدأت رحلة تحول لم تكن سحرا بل عملا. انتقال إلى بيت أفضل. مدرسة جديدة. كتب دروس خصوصية ليال طويلة من الدراسة. ومع ذلك واجه آرتور شيئا أصعب التحيز.
في يومه الأول في المدرسة الخاصة شعر أن الممرات تتحدث لغة خفية علامات تجارية رحلات أسماء كبيرة. بعضهم نظر إليه بإعجاب وآخرون بريبة. وقال له إدواردو ابن إحدى العائلات النافذة جملة مسمومة
يقولون إن لديك راعيا مليارديرا. ماذا فعلت لتحصل عليه
اشتعل الغضب في دم آرتور. لكنه هذه المرة لم يخفض رأسه. قال الحقيقة دون صراخ دون طلب رضا
ساعدت شخصا حين احتاج. درست حين لم تكن لدي ظروف. اعتنيت بأختي حين لم يكن هناك أحد غيري. إن كان هذا يزعجك فالمشكلة
ليست أنا.
في تلك الليلة سمعه ريناتو في السيارة وتحدث
 

تم نسخ الرابط