بحبك ماما حكايات بسمة

لمحة نيوز

اتصلت بأمها فقط لتقول لها بحبك لكنها نسيت تقفل المكالمة، والكلام اللي سمعته بعدها غيّر حياتها كلها!
الجزء الأول
الساعة كانت 846 مساءً لما خرجت سارة محمود من باب قسم الطوارئ في مستشفى كبير بالقاهرة، بعد وردية استمرت 12 ساعة كاملة.
كانت عندها 30 سنة، ممرضة، عايشة لوحدها في شقة صغيرة، وحياتها كلها تقريبًا كانت ماشية بين المستشفى وبيت أمها.
ورغم إنها كانت بتوصل لدرجة إنها مش قادرة تحرك رجليها من التعب، كان عندها عادة عمرها سنين.
كل يوم بعد الشغل، تتصل بأمها.
فتحت موبايلها واتصلت.
ألو يا ماما.
أيوه يا سارة، في إيه؟
مفيش بس كنت عايزة أطمن عليكي.
أنا كويسة.
سارة ابتسمت رغم الإرهاق.
طيب خلاص، مش هعطلك. تصبحى على خير.
سكتت لحظة، ثم قالت
بحبك يا ماما.
جاءها صوت أمها ضعيفًا وهي تقول شيئًا لم تسمعه جيدًا.
سارة أبعدت الهاتف عن أذنها وهي تمشي ناحية موقف السيارات.
كانت فاكرة إن المكالمة انتهت.
لكنها ما كانتش قفلت.
بعد ثوانٍ، سمعت صوت ست تانية.
سارة كانت بتكلمك؟
كان صوت مدام عفاف، جارة أمها.
ثم سمعت أمها تضحك.
أيوه.
بنتك دي بتحبك أوي.
ضحكت الأم مرة تانية.
بتحبني؟ دي بقت بتتعبني من كتر اتصالها.
خطوة سارة توقفت.
رفعت الموبايل قدام عينيها.
المكالمة ما زالت شغالة.
كانت قادرة تقفل.
وكان المفروض تقفل.
لكنها لم تفعل.
لأنها سمعت أمها تقول
كل يوم نفس الحكاية. أكلتي؟ نمتي؟ محتاجة حاجة؟ ناقصك فلوس؟
عفاف ردت
بس هي ساعدتك كتير يا هدى.
طبيعي. دي بنتي.
دفعت علاجك السنة اللي فاتت.
وأنا طلبت منها؟
سارة شعرت إن نفسها اتسحب منها.
منذ سنوات، كانت بتدفع جزءًا من إيجار أمها.
ولما أمها احتاجت عملية، سارة باعت ذهبها.
ولما العربية عطلت، دفعت تمن إصلاحها.
وكل شهر كانت تحول مبلغًا ثابتًا لمصاريف البيت.
لكنها لم تكن تعتبر ذلك تضحية.
كانت تعتبره واجبًا.
سمعت أمها تكمل
هي بتحب تحس إنها مهمة. لو بطلت أطلب منها حاجة، هتعمل إيه في حياتها؟
عفاف قالت باستنكار
هدى، دي بنتك.
وأنا عارفة.
ثم أضافت بصوت بارد
وبصراحة، لو بطلت تبعتلي فلوس، هتصرف. مش هي آخر واحدة في الدنيا ممكن تساعدني.
سارة أغلقت عينيها.
لم تبكِ.
الغريب إنها لم تستطع حتى البكاء.
كانت فقط واقفة في موقف السيارات، وسط عشرات الناس، تشعر وكأن السنوات الثلاثين الماضية كلها كانت كڈبة.
ثم قالت بصوت مرتجف
ماما؟
سكت الطرف الآخر.
سارة؟
المكالمة ما اتقفلتش.
صمت طويل.
ثم
إنتِ فهمتي غلط.
سارة ضحكت ضحكة قصيرة مليئة بالۏجع.
لا يا ماما أنا فهمت صح.
كنت بتكلم مع عفاف وخلاص.
وأنا سمعت.
سارة
سمعت كل حاجة.
أنهت المكالمة.
وفي نفس الليلة، عملت حاجة لم تكن تتخيل إنها هتقدر تعملها.
فتحت حسابها البنكي.
ألغت التحويل التلقائي لإيجار أمها.
ثم ألغت دفع فاتورة العربية.
ثم أغلقت البطاقة التي كانت والدتها تستخدمها للطوارئ.
وبعد تردد طويل، كتبت لها رسالة
أنا بحبك يا ماما، لكني تعبت من محاولة إثبات إني بنت كويسة عن طريق الفلوس. من النهارده هساعدك لما أقدر، لكن مش هعيش حياتي كلها وأنا خاېفة إنك تزعلي مني.
وضغطت إرسال.
مرت ثلاثة أيام.
ثم وصلت رسالة
يعني هتسيبيني عشان كلمة قلتها؟
سارة لم ترد.
لكن أختها في الرضاعة وصديقتها المقربة داليا أصرت إنها تروح لمعالجة نفسية.
وفي أول جلسة، سألتها الطبيبة
سارة، إيه الحاجة اللي نفسك تعمليها لنفسك؟
سارة فتحت فمها.
ثم أغلقته.
لم تعرف الإجابة.
لأنها لأول مرة اكتشفت إنها عاشت سنوات طويلة وهي بتسأل نفسها
ماما محتاجة إيه؟
ولم تسأل
أنا محتاجة إيه؟
بدأت حياتها تتغير ببطء.
اشتركت في كورس تصوير.
بدأت توفر فلوس لرحلة كانت نفسها تعملها من زمان.
غيرت أثاث شقتها.
وبعد شهور، لأول مرة، كانت بتشتري حاجة لنفسها من غير ما تحسب في دماغها المبلغ ده كان ممكن أبعته لماما.
لكن
أمها لم تتقبل التغيير بسهولة.
بعد حوالي 7 شهور، ظهرت أمام باب شقة سارة.
كانت مرهقة.
أنا فقدت شغلي.
سارة سمحت لها بالدخول.
جلست أمها وقالت
عليا إيجار 3 شهور.
سارة لم تتكلم.
محتاجة 150 ألف جنيه.
في الماضي، كانت سارة هتبيع كل اللي تملكه لتوفر المبلغ.
لكن هذه المرة قالت
مش هقدر أديكي المبلغ ده.
أمها رفعت رأسها.
إنتِ بتقولي إيه؟
أقدر أساعدك تدوري على شغل. أقدر أتكلم مع صاحب البيت. أقدر أساعدك ترتبي مصاريفك.
يعني هتسيبيني في الشارع؟
سارة شعرت بالذنب يضغط على صدرها.
لكنها تماسكت.
لا يا ماما.
ثم قالت بهدوء
أنا هساعدك بس مش هضيع نفسي عشان أنقذك كل مرة.
الأم وقفت.
العلاج النفسي بوظك.
سارة نظرت إليها.
لا يا ماما.
أمال إيه؟
علّمني إني ما أسيبش نفسي عشان أرضي حد.
ساد الصمت.
وقبل أن تخرج أمها، توقفت عند الباب.
ثم قالت
إنتِ فاكرة إنك سمعتي كل حاجة؟
سارة نظرت إليها باستغراب.
أيوه.
الأم خفضت عينيها.
في حاجة تانية ما سمعتيهاش.
سارة شعرت بقلبها يخبط.
إيه؟
لكن أمها لم تجب.
اكتفت بأنها قالت
أبوكي اتصل بيا من شهر.
تجمدت سارة.
والدها.
الرجل الذي أخبرتها أمها طوال حياتها إنه تركهم وهي صغيرة ولم يسأل عنها مرة أخرى.
بابا؟
هزت أمها رأسها.
أيوه.
فين؟
الأم بدأت تبكي.
مش هقدر أقولك.
ليه؟
رفعت أمها عينيها إليها.
لأنه لو عرف إنك عرفتي الحقيقة مش هيكون هو الوحيد اللي حياتك هتتغير بسببها.
خرجت الأم وأغلقت الباب.
وسارة ظلت واقفة مكانها.
بعد دقائق، رن هاتفها.
رقم مجهول.
ترددت قبل أن تجيب.
ألو؟
جاء صوت رجل مسن من الطرف الآخر
سارة محمود؟
أيوه.
أنا عماد عبدالرحمن.
سكت الرجل لحظة، ثم قال
أنا كنت أعرف أبوكي من زمان.
سارة شعرت بقلبها يتوقف.
تعرفه فين؟
جاءها الرد الذي جعل يدها ترتجف
لأن أبوكي ما سابكيش يا بنتي
أمك هي اللي منعته يشوفك لمدة 24 سنة.
سارة وقفت مكانها، والهاتف ما زال في يدها، وكلام الرجل ده ضربها زي الصاعقة. لسانها اتعقد، وما عرفت ترد بكلمة واحدة، بس سمعت دقات قلبها تدق في ودنها زي طبول حرب. بعد ثوانٍ طالت كأنها سنين، سألتها بصوت خرج ضعيف جداً
إنت إنت بتقول إيه؟ بتقول إنها هي اللي منعته؟
عماد عبدالرحمن سكت شوية، كأنه بيحاول يختار الكلام المناسب، وبعدين كمل

تم نسخ الرابط