بحبك ماما حكايات بسمة
المحتويات
بصوت هادي ومليان حزن
يا بنتي، أنا عارف إن الكلام ده صعب تسمعيه، ويمكن تصدقيه أو لا، بس أنا حلفت لنفسي قبل ما أموت أقولك الحقيقة كاملة، لأن الظلم ده استمر كفاية 24 سنة. أبوكِ اسمه كريم رشيد. كان شغال مهندس معمار. كان طيب، وحبكِ وحب أمكِ بجد. وحتى يومنا ده ما تزوج تاني، وما بعدش عن القاهرة إلا شوية عشان ما يضايقكش، على أمل إنكِ تكبري وتفهمي.
سارة حست بدنيا كلها تدور حولها. سندت ظهرها على الحيط عشان ما تقع، والدموع بدأت تجمع في عينيها من غير صوت. كل اللي سمعته طول عمرها إن أبوها سابهم ونساهم وما لوش دين وذمة كل ده كان كڈب؟ كل تلك السنين وهي بتكرهه وتحس إنها مهجورة، وكانت أمها هي السبب؟
وليه؟ سألت بصوت مرتعش. ليه عملت كده؟ ليه قالت عليّ إنه سابنا؟
ده اللي أنا مش عارفه إجابته بالظبط يا سارة، قال عماد. بس اللي أعرفه إنهم كانوا بيحبوا بعض أوي، وفجأة حصل خلاف كبير، وأمكِ طلبت الطلاق، واشترطت عليه شرط غريب إنه ما يشوفكيش أبداً، وإن ما يقولكش إنه عايش، وإن يبعد عنكِ تماماً. وقالت له لو خالف الشرط ده هتخليه يندم طول عمره. وهو حاول كتير يقنعها، حاول يتفاهم،
بس كانت مصممة ومتمسكة برأيها بكل قوة. ومرات كتير كان بيقف بعيد عن المدرسة اللي كنتِ فيها، يشوفكِ وأنتِ داخلة وخارجة، ويرجع بيته يبكي من غير ما حد يحس بيه.
سارة ما قدرتش تتحمل أكتر من كده. قعدت على الكرسي اللي جنبها ودفعت وشها في كفوفها، وبدأت ټعيط بصوت مكتوم، مش عارفة تبكي عشان أبوها اللي حرمت منه كل السنين دي، ولا عشان أمها اللي خدعتها وخدعت أبوها، ولا عشان نفسها اللي عاشت كل ده في ظلام كامل.
وهو لسه عايش؟ سألت بعد ما هدّت شوية.
أيوه يا بنتي، لسه عايش. بس تعبان قلباً، وحالته النفسية مش كويسة من سنين. لما عرف إنكِ كبرتي واشتغلي وصرتي ممرضة، كان فخور بيكي جداً، وكل يوم كان يسأل عنكِ من بعيد. وقال لي إنه لو عايش لحد ما يشوفكِ مرة واحدة ويسمعكِ تقولي له بابا ھيموت مرتاح.
الكلام ده نزل على قلب سارة زي الميه الباردة، وفي نفس الوقت ۏجعها أوي. شعرت بدموعها تزيد، وحست إن في غصة في حلقها مش قادرة تبلعها.
وينه؟ قالت بصوت بالكاد يسمع. عايزة أشوفه.
هو في بيتي حالياً، رد عماد بسرعة وكأنه كان مستعد للكلام ده. تعبان شوية، بس لو جيتِ هنا يفرح أوي. العنوان في مدينة نصر، شارع حسين حجازي، بيت رقم ٤٧، الدور التاني. أنا مستنيكي.
قفلت سارة الهاتف وظلت ساكتة دقائق طويلة، قلبها بيخفق بقوة لم تحس بها من قبل. حست إنها في حلم، أو كأنها صحيت من حلم طويل جداً ومرهق. كل حاجة في حياتها بدأت تترتب قدام عينيها بصورة تانية تماماً لماذا أمها كانت دائماً تتجنب الحديث عن أبوها؟ لماذا كل ما تسأل عنه تتغير ملامحها وتقول لها ما تستاهلش الذكرى؟ ولماذا كانت دائماً تحاول تربط سارة بيها وبس، وتجعلها تحس إن ما لهاش حد غيرها في الدنيا؟
كانت بتملكها رغبة جامحة تروح وتشوفه، وفي نفس الوقت خاېفة. خاېفة تكتشف حاجات تانية أصعب. خاېفة تواجه أمها بالحقيقة وتوصل لمرحلة ما فيهوش رجعة بينهم. لكنها عرفت إنها مفيش طريق تاني قدامها. لازم تمشي فيه مهما كان الثمن.
لبست سارة ملابسها بسرعة، ونزلت الشارع، وكل خطوة بتعملها حست إنها بتعدي مرحلة جديدة في عمرها. الطريق لمدينة نصر كان طويل، والسيارة ماشية وهي مش حاسة بالطريق، دماغها مليان أسئلة بلا إجابات. لما وصلت للعنوان اللي قاله لها عماد، وقفت قدام البيت القديم المرصوص، وقلبها هيطلع من مكانه. صعدت السلالم خطوة بخطوة، ولما وصلت للباب رقم ٤٧، ترددت كتير قبل ما تطرق.
الباب اتفتح بسرعة، وشافت راجل ستيني شعره أبيض بالكامل، وجهه عليه علامات تعب السنين، وعينيه بتشبه عينيها جداً لدرجة إنها خاڤت. الراجل نظر لها، واتسعت عينيه، ورجعت خطوة لورا كأنه شاف حاجة مستحيلة.
سارة؟ قال بصوت مهزوز، ويده ترتجف وهو بيمدها ناحيتها. بنتي؟
سارة ما قدرتش تتكلم. كفاية نظرة واحدة عرفت إنه أبوها. فيه شيء غريزي جواها اتحرك، حنين قديم نسيت إنه موجود، رابط ډم ما ينقطع مهما مرت السنين. قربت منه ببطء، ولما مسك كفوفها بيديه الدافئتين المرتعشتين، سقطت دمعة من عينيه ووقعت على إيدها.
سامحيني يا بنتي سامحني عشان ما قدرتش أكون جنبكِ طول السنين دي قال وهو بيعيط زي الطفل. ما كنتش عايز أبعد عنكِ، صدقني ما كنتش.
سارة حطت إيدها على كتفه، وحست بكل الألم اللي عاشوه الاتنين.
أنا عارفة يا بابا أنا عارفة إنه مش ذنبك
كلمة بابا
لما طلعت من لسانها، صوتها اتقطع، وكأنها بتقولها لأول مرة في حياتها. الراجل ضمھا لصدره بهدوء ودفء، وريحته كانت غريبة وفي نفس الوقت مألوفة، وكأنها عرفتها من زمان. ظلوا كده فترة طويلة من غير كلام، بس صوت دقات قلبه كان يكفيها عن كل الكلام.
بعد شوية، دخلوا البيت وقعدوا، وبدأ عماد وعمها كريم أبوها يحكوا لها الحكاية كاملة من الأول.
كانوا متجوزين من خمس سنين، وحياتهم كانت ماشية تماماً، لحد ما سارة كانت عند خمس سنين.
متابعة القراءة