سر الفلوس حكايات بسمة

لمحة نيوز


رفع رأسه بسرعة إيه دي؟
ديون. فلوس للي عليك. منين بتجيب فلوس لما تخرج؟ ومنين بتيجي الفلوس اللي بتقول إنك أنفقها؟ أنا شايفة علامات القلق في عينيك كل يوم. بتخبي حاجة يا محمد، ولازم تعرفني عليها. لأن لو في مشكلة، أنا معاك، هنحلها سوا. بس السر بين الزوجين بيدمر البيت.
سكت فترة طويلة، يلعب في أصابعه زي ما كان بيعمل لما يكون متوتر، وبعدين جلس على الكنبة ودفع وجهه في يديه وقال بصوت مكسور أنا خاېف أقولك. كنت عايز أحميك من الحقيقة. كنت عايز أكون الراجل اللي توقعتوه لما اتجوزتيني.
قعدت جنبه ووضعت يدي على كتفه مهما كانت الحقيقة، هنواجهها. قولي لي.
رفع رأسه وقال لي الحقيقة اللي هزت كياني كله أنا من سنتين خسړت كل الفلوس اللي معايا في مشروع فاشل. اقترضت فلوس كتير من ناس، ومن أصدقاء، وحتى من ناس ما تعرفهمش. والمشروع ده ما ربحش ولا قرش. وكل ما كنت بخرج وأقول إني رايح أشغل، كنت رايح أدور على حد يقرضني فلوس عشان أسدد ديون قديمة. وكل ما أقدر أسدد دين، بيطلع لي تاني. ودخلت في دائرة ما أقدرش أخرج منها. كنت عايز أقولك بس كنت خاېف تسيبيني. كنت عارف إنك تعباني وشغلك واصلك، وكنت حاسس نفسي عديم الفائدة جنبك.
دموعه نزلت، وأنا قلبي اتقطع عليه، بس في نفس الوقت كنت مصډومة ومغضوبة مش عشان الدين، عشان إنه خبى عليّ كل ده السنين دي كلها! يعني كل ده وأنا ما أعرفش؟ كنت بصرف على البيت وأنا فاكرة إن ظروفك هتتعدل، وأنت كنت غارق في الديون؟ وليه ما قلتليش؟ كنت ممكن نساعد بعض، نبيع حاجات ما نحتاجهاش، نرتب أمورنا مع بعض، نعمل خطة للسداد. بس إنك تخبى عليّ وتستمر في الكلام ده ده اللي وجعني أكتر.
كنت خاېف قال وهو يبكي كنت خاېف أقول لأمي كمان، عشان كده لما كانت بتكلمني عنك وعن الفلوس، كنت ساكت أو أصدق كلامها شوي، لأنني كنت حاسس إنني فعلاً مقصر، وإن ما عنديش حق أعترض على أي كلام تقوله. كنت عايز أبرر لنفسي ولها فشلي.
وفي اللحظة دي سمعنا صوت من وراء الباب، لقينا حماتي
واقفة هناك، دموعها على خدها، ما كانتش راحت، كانت مستنية وتسمع كل حاجة. دخلت ببطء، وشكلها تغير تماماً، ما عادش فيها تلك العناد والصلابة اللي كانت عليها دايماً. قالت بصوت مهزوز
سامحيني يا بنتي سامحيني. أنا كنت غبية. كنت شايفة نفسي أحمي ولدي، وأحمي كرامتنا، بس كنت بدمّر بيته بإيدي. كنت أكذب وأقول كلام ما لوش أصل، عشان أخفي على نفسي وعلى الناس إن ولدي تعبان ومحتاج مساعدة. وما شفتش مجهودك ولا تعبك، ولا حنانك اللي بتعامليه معانا. كل اللي كنت أفكر فيه كلام الناس وآرائهم. ونسيت إن اللي بينكم أهم من كل حاجة.
قربت مني ومسكت يدي، ويدها كانت ترتجف أنا كنت بقول له يكدب ويخفي، وأنا اللي دفعتله للوضع ده. خفت أقول لأحد، خفت أعترف إننا محتاجين، فكملنا في الطريق الغلط. وكنت ألومك وأنتِ اللي ما عملتِ شيء غير الخير علينا.
مشهد ده كان صعب جداً عليّ. کرهت العناد اللي كان بيننا، والحاجز اللي بناه الخۏف والكذب سنين طويلة. مسكت يدها التانية وقلت لها
الحمد لله إن الحقيقة طلعت. أحسن من ما نستمر في الخفاء. ما فيش إنسان معصوم من الخطأ، والمهم إننا نصحح الغلط من دلوقتي.
جلسنا التلاتة مع بعض، ولأول مرة من زمان، نتكلم بصراحة كاملة. محمد أخبرنا بتفاصيل الديون كلها، المبلغ اللي عليه، واللي عليه لمن. كتبنا ورقة بكل حاجة عشان نبقى واضحين. طلع المبلغ كبير بس مش مستحيل. قلت لهم
أنا هستمر في شغلي، وهنستخدم جزء من مرتبي لسداد الديون كل شهر. هنقلل مصاريفنا، نشتغل بجد، ونصبر. المهم إننا نكون صادقين مع بعض، وما نخبيش حاجة تانية أبداً.
حماتي قالت وأنا كمان هساعد. عندي مصاغ وحاجات ورثتها، أقدر أبيع جزء منها وأساعد في سداد جزء من الدين. ما عادش يهمّني حاجة غير راحة بالكم واستقرار بيتكم. وكمان أنا هروح عند ناس أعرفهم، ممكن يساعدونا بمعاش أو عمل لمحمد، حاجة مستقرة تضمن له دخل ثابت.
محمد كان مذهول يعني ما تسيبوني؟ قلت له الزواج مش وقت الرخاء بس. أنا معاك لحد ما توقف على رجليك. بس بشرط الصدق دائماً.
مرت الأشهر، وتغيرت حاجات كتير. حماتي باعت جزء من مصاغها وساعدت في سداد جزء كبير من الدين، وكانت تيجي تزورنا بس ما عادش تتدخل في شؤون البيت بالطريقة القديمة. كانت تجي تسأل وتقترح باحترام، وتشكرني على أي حاجة صغيرة. كانت تعوض اللي فات. محمد اشتغل في شغل جديد اقترحته عليه أصدقاء أمه، وكان مجتهداً جداً، كل ما يوفر مبلغ كان يفرح بيه ويرجع يقول لي قربنا نخلص، شوية ونبقى أحرار. كنت أشوف فيه رجوع للثقة بالنفس اللي كان فقدها، وبيتهيأ لي إنه بيحبني أكتر كل يوم، لأنه عرف قيمتي وقيمة الصدق والثقة اللي بنيتها معاه.
كان
في لحظة واحدة اتغير فيها كل شيء، لما كنا جالسين في الصالة بعد العشاء، قال لي محمد بابتسامة هادية عرفتي يا سارة؟ اليوم سددنا آخر قرش. البيت نظيف، ما علينا دين ولا هم يحزنون.
دموع نزلت من عيني، وحضنته، وحماتي جت وحضنتنا الاتنين، وبكت من الفرحة. قالت لنا الصدق بين الناس زي الشمس اللي بتضوي الطريق. والكذب ظلام مهما طال بيخرج للنور.
بعد فترة، كنت جالسة في البيت شوي قبل ما أروح الشغل، شفت الستارة اللي غيرتها من زمان، اللي كانت سبب في أول مشكلة بيني وبين حماتي. ابتسمت، لأنها ما كانتش مجرد ستارة، كانت بداية طريق الحقيقة اللي وصلنا لليوم ده. محمد دخل وقف جنبي، شافني بشوفها، وقال شكراً يا سارة. لو ما كنتِ صبرتِ وصدقتِ ما كنا وصلنا لهنا.
قلت له الفضل مش ليا وحدي. فضلنا كلنا لما اتقفنا جنب بعض وقلنا الحقيقة. وفضلك هي لما اعترفت بغلطك وبدأت من جديد.
وفي يوم من الأيام، سمعت حماتي بتكلم في التليفون مع واحدة من قرايبها، بتقول لها بكل فخر مرات سارة بنت الأصول، شريفة وتستحق كل خير. هي اللي وقفت جنبنا في المحڼة، وما سابتناش. والبيت ده ما كانش بيستقر إلا بوجودها.
كلماتها دخلت قلبي، وعرفت إن الجراح بتلتئم لما يكون فيه نية صالحة واعتذار صادق. ما عادش فيه خفاء، ولا غيرة، ولا حجج. صار بيتنا مبني على الصدق والاحترام المتبادل.
كنا تعبنا كتير، ومررنا بظروف صعبة، بس أهم حاجة إننا خرجنا منها أقوى من الأول. وعرفت إن المشاكل ما بتدمر الناس، الكذب والخفاء هو اللي بيدمر العلاقات. أما لما يتكلم الإنسان بصراحة، ويعترف بخطئه، ويقف جنب أهله، فكل صعوبة تهون، وكل ضائقة بتفرج.
وأخيراً، صار كل واحد فينا يعرف قيمة التاني، ونعمة الاستقرار اللي كنا نفتقدها بسبب الخۏف والكذب. وبقيت دايماً أقول لنفسي ما فيش سر يستمر للأبد، والحقيقة مهما تأخرت بتطلع، وأحسن دواء لأي مشكلة هو الصدق من أول يوم.
وبيتنا بقا مليان ضحك وهدوء ومحبة، والكلام اللي بيتقال فيه بيتقال بصراحة واحترام، من غير ما نحط حواجز بيننا. وده كان أجمل نتيجة جاتلنا بعد ما دفعنا التمن الغالي.

تم نسخ الرابط