رجعت البيت عشان امشي المربية
معاهم كان في سن المراهقة اسمه فلان.
وقعت الكلمات على راسي كالصاعقة. اسم الابن هو نفسه اسم جوزي!
شكرت العجوزة وخرجت، ومشيت وأنا مش حاسة بقدمي. يعني اللي أنا كنت أعيشه حياة زوجية معاه هو ابني الست اللي سلمتني؟ يعني هم أهلي؟ هم أهلي اللي اخدوني وحرموني من أمي الحقيقية؟ واتفقوا على كل ده؟ واتفقوا إن بعد ما أتجوز ابنها أرجع ليهم؟ يعني إيه بالظبط؟!
رجعت البيت وأنا مش عارفة وصلت إزاي. دخلت وقفلت الباب ورايا وقعدت على الأرض متكئة على الحائط، وراسي بتدور بسرعة. كل حاجة بدأت تتضح ليه جوزي كان يصرّ عليّ أقفل الباب من جوه بالمفتاح؟ عشان حد تاني غير أمه ما يدخلش! ولينفس الوقت هي تقدر تدخل في أي وقت لأن معاها المفتاح التاني! يعني هو كان عايزني أحس بالأمان وفي نفس الوقت يضمن إنها تقدر توصل ليّ في أي ساعة تريد! وكل مره كانت تدخل وتتجسس عليّ، وتعرف كل تفاصيل حياتي، وتبلغه! واتفاقهم كان إن بعد ما أتجوز ابنها وأكمل تمانية وعشرين سنة أعيش معاهم تحت سيطرتهم للأبد!
وفجأة سمعت صوت المفتاح في الباب. هي جاية. دخلت زي كل مرة، من غير خبط، من غير استئذان. شافتني قاعدة على الأرض وبكايا على وجهي، فما اندهشت. ابتسمت ليّ بكل برود وقعدت قدامي وقالت عرفتي كل حاجة، صح؟
قمت ببطء ووقفت قدامها، وقلتلها بصوت مهزوز لكن حازم أنتِ أمي.
ما أنكرتش. هزّت راسها وقالت أيوه. أنا أمك. وكنتِ لازم ترجعي ليّ زي ما اتفقنا.
قلتلها بلهفة وڠضب اتفقتم؟ اتفقتم على إيه بالظبط؟ على إنكم تاخدوني من أمي الحقيقية؟ وتدبسوني في علاقة ما ليه وجود؟ وتحبسوني في بيت بابه مفتوح لكم بس؟ ده مش حب ده سجن!
قامت وقفت قدامي وشدّت على كلامها أنا عملت ده عشانكِ! أنا كنتِ أمك وما كانش ينفع تتربي بعيد عني! واتجوزتي ابني عشان تبقي معانا طول العمر، وما تروحيش لحد تاني! ده بيتكِ، وأنا أملك فيه كل الحقوق!
قلتلها بصوت عالٍ لأول مرة في حياتي حقوق؟! من غير ما أسأل أنا موافقة ولا لأ؟ من غير ما أعرف إنكم أهلي؟ من غير ما أعرف إني متجوزة ابني؟ ده حرام! ده حرام شرعًا وعقلاً وطبيعة! وأمي اللي ماټت من الحزن عليّ إنتِ حرمتني منها ليه؟ ليه خبيتوا عليّ الحقيقة كل السنين دي؟
سكتت. نظراتها تغيرت. مش الڠضب ده خوف. قالت بصوت هادي كنا خايفين ترفضينا. كنا خايفين لما تعرفي الحقيقة تسيبينا وتمشي. كنا عايزينكِ تبقي معانا للأبد.
وفجأة سمعنا صوت الباب يتقفل. التفتنا. لقينا جوزي واقف عند الباب. وجهه شاحب، وعيناه بتدور علينا بذهول. يبدو إنه سمع كل كلام.
بص ليّ وقال بصوت متقطع هي صح؟ كل اللي بتقوله ده صح؟
بصيتله. قلت اسأل هي.
بص لأمه وقال أجوبيني! أنا كنت عايش معاها وأنا مش عارف إنها أختي؟ إنتِ عملتي فينا كده ليه؟
بكت أمه وقالت عملت ده عشان العائلة تفضل متصلة! عشان ما تفرقوش! ما كانش ينفع تروح لحد غريب! هي بنتي وانتِ ابني، واتجوزتم عشان تبقوا مع بعض للأبد!
صړخ فيها ده مش حب! ده چريمة! خبيتي علينا أصلنا وعلاقتنا عشان نعيش في خطيئة ما نعرفش عنها حاجة! وكل يوم كنت أطلب منها تقفل الباب عشان أحميها وأنتِ كنتِ تدخلين في أي وقت تريدين تتجسسين عليها! كنتِ عايشة بيننا في كل لحظة ونحن مش عارفين!
خرج من الشقة مسرعًا. نزلت وراه لقيتو واقف في مدخل
العمارة بيمسك في شعره وبيبكي بصمت. قربت منه ببطء ووقفت بجانبه. ما تكلمت. ما قلتلهش حاجة. عشان كنت حاسة بوجعه زي ما هو حاسس بۏجعي. نحن الاتنين ضحېة. ضحېة خۏفها وغرورها ورغبتها في التملك.
رفع رأسه وبص ليّ بعيون حمراء وقال أنا آسف. صدقيني ما كنت أعرف. لو كنت أعرف ما كان حصل ده أبدًا.
قلتله بدموعي تنزل أنا عارفة. وأنا كمان ما كنتش أعرف. المشكلة مش فينا المشكلة في الحقيقة اللي اتخفت علينا سنين طويلة.
رجعنا الشقة ببطء. لقيناها قاعدة في الصالة تبكي. وقفنا قدامها. قلت لها بهدوء تام الحقيقة اتكشفت. وما ينفعش نكمل بالطريقة دي. لازم نعرف كل حاجة من الأول. ومن اليوم، ما حدش يدخل الشقة دي إلا بإذني. ومفيش مفتاح مع حد غيري. اتفقنا؟
بصت لنا بحزن وانكسار، وهزّت راسها موافقة.
مرت الأيام ببطء وألم. بدأنا نجمع الأوراق والوثائق، ونتأكد من كل حاجة. اتضح إن ما بينا وبينه أخوة من جهة الأب فقط أبونا واحد وأمهات مختلفات. يعني الزواج بيننا كان باطلًا من الأساس. واتضح إن أمي الحقيقية كانت ماټت وأنا بعيدة عنها بسبب منعها ليّ، وإن الاتفاق اللي كانت بتتكلم عنه كان مجرد رغبتها في تملكي وعدم رجوعي لجانب أهلي التانيين.
اتفقنا أنا وأخي اللي كان جوزي نعيش كأخوة، ونكمل بعض في الحياة، ونحاول نعوض ما فاتنا. وبالنسبة لأمنا قررنا نسامحها لضعفها وخۏفها، لكن وضعنا حدودًا لا يمكن تخطيها. من يومها، الباب ما بيتقفل إلا بالمفتاح معي، وما حدش بيدخل إلا بعد استئذان. وما عادش هناك أسرار ولا خبايا بيننا.
وفي كل ليلة قبل ما أنام، بقف قدام الباب وأمسك المفتاح وأفكر في كل اللي مرّ بيا. وعرفت إن القفل الحقيقي مش في الباب القفل الحقيقي
طخ
كان في الأسرار اللي اتخفت وراه. ولما اتكشفت الحقيقة، اتفتحت الأبواب اللي كانت مقفلة في قلوبنا من زمان.
وما عدت أخشى اللي بيدخل من الباب لأن اللي جوا القلب أصبح أوضح وأقوى وأصدق.