حماتي واهلي حكايات بسمة
حماتي كانت كل ما أعمل عزومة لأهلي، تتصل بجوزي قبل ما يوصلوا بدقايق وتقول له خلي بالك أمها بتتكلم عنك قدام الناس.
في الأول كنت فاكرة إنها مجرد غيرة منها، وإنها بتحاول تبوّظ أي قعدة تجمعني بأهلي.
لكن مع الوقت، بدأت ألاحظ حاجة غريبة
كل مرة أهلي ييجوا، لازم تليفون جوزي يرن قبل وصولهم بدقايق.
وكل مرة، كان بعدها بيتغير.
يبقى ساكت.
متوتر.
ويراقب كل كلمة أمي تقولها، وكل نظرة أبويا يبصهاله، كأنه داخل تحقيق مش عزومة عائلية.
وأنا كل ما أسأله
في إيه؟
كان يرد
مفيش أمي بس قالتلي أخلي بالي.
لحد يوم عزومة كبيرة كنت محضراها لأهلي من بدري.
كنت في المطبخ بجهز الأكل، وجوزي في الصالة بيرتب السفرة، وفجأة تليفونه رن.
بص للشاشة، وسكت ثانيتين قبل ما يرد.
سمعته بيقول
أيوه يا أمي.
وبعدين سكت.
وشه اتغير.
وبعدها قال
حاضر هخلي بالي.
قفلت الڼار تحت الحلة وخرجتله.
ماما قالتلك إيه؟
اتردد.
ولا حاجة.
جوزي، أنا سامعاك من المطبخ. قالتلك إيه؟
بصلي وقال
قالتلي إن أمك ناوية تتكلم عليا قدام الناس النهارده.
اټصدمت.
أمي؟!
أيوه.
قالتلك كده بالحرف؟
آه.
دخل أهلي بعدها بدقايق.
أمي كانت مبتسمة، وأبويا شايل علبة حلويات، وأختي داخلة وهي بتضحك.
لكن جوزي كان مختلف.
كان بيرد على أمي بكلمتين.
وكل ما تبدأ تتكلم، يبصلي.
كأنه مستني منها كلمة تثبت كلام أمه.
أنا فضلت طول القعدة مش فاهمة.
لحد ما أمي قالت لجوزي
إنت شكلك تعبان يا ابني، الشغل مرهقك؟
رد عليها بسرعة
الحمد لله.
وبصلي.
وبعد شوية قالت
خلي بالك من نفسك، بس.
جوزي سكت.
وبعد ما أهلي مشيوا، دخل أوضة النوم وقفل الباب.
دخلت وراه.
إنت ليه كنت متوتر طول القعدة؟
قال
عشان كنت مستني أمك تقول حاجة عليا.
وقالت؟
لأ.
ولا كلمة؟
هز راسه.
ولا كلمة.
سكت شوية، وبعدين قال
بس أمي مش بتكدب.
الجملة دي وجعتني.
لأني لأول مرة بدأت أسأل نفسي
لو أمي فعلًا ما قالتش حاجة
يبقى حماتي كانت بتعمل إيه كل مرة؟
تاني يوم، روحت عند حماتي من غير ما أقول لجوزي.
دخلت عليها، وقعدت قدامها.
وبهدوء سألتها
ماما، هو إنتِ ليه كل مرة أهلي ييجوا عندنا، بتتصلّي بجوزي قبل ما يوصلوا بدقايق؟
وشها اتغير.
بس حاولت تضحك.
أنا؟ بتصل بيه ليه؟
عشان تحذريه من أمي.
سكتت.
وبعدين قالت
أنا بخاف عليه.
من أمي؟
أيوه.
طب إيه اللي قالتهولك أمي؟
بصتلي في عيني وقالت
أنا سمعتها قبل كده.
سمعتي إيه؟
ابتسمت ابتسامة غريبة.
إنتِ لسه فاكرة إن الموضوع عن الكلام؟
اتجمدت.
يعني إيه؟
قامت من مكانها، وقربت مني، وقالت بصوت واطي
أمك مش مشكلتها إنها بتتكلم عن ابني مشكلتها إنها عارفة حاجة أنا مش عايزاكي تعرفيها.
قلبي دق بسرعة.
حاجة إيه؟
لكنها ما ردتش.
بس قالت جملة واحدة
لو عرفتي أمك بتتكلم عن إيه فعلًا جوازك مش هيكمل أسبوع.
وقتها خرجت من عندها وأنا مش فاهمة حاجة.
لكن أول ما رجعت البيت، لقيت جوزي واقف قدام باب الشقة، ماسك تليفونه، ووشه متوتر.
قال
إنتِ كنتِ عند أمي؟
أيوه.
قالتلك إيه؟
ولا حاجة مهمة.
بصلي للحظات.
وبعدين مدلي تليفونه.
يبقى شوفي الرسالة دي.
فتحت الشاشة.
كانت رسالة من حماتي.
لكن اللي خلاني أتجمد
إن الرسالة ما كانتش لجوزي.
كانت لأمي.
وآخر سطر فيها كان
لو بنتك عرفت إننا إحنا الاتنين متفقين من زمان نخبي عليها الحقيقة دي هتكرهنا إحنا الاتنين.
الفصل الأول الصدمة التي هزت كل ما كنت أعرفه
قرأت السطر ده مرّة ومرّة تانية وتالتة وعيناي ما صدقتش اللي شايفاه. كلام واضح، حروفه واضحة، ومعناه كان كأنه صاعقة نزلت على راسي من السماء.
لو بنتك عرفت إننا إحنا الاتنين متفقين من زمان نخبي عليها الحقيقة دي هتكرهنا إحنا الاتنين.
رفعت راسي وبصيت لجوزي. كان واقف قدامي، عيناه حمرا ومليانة حيرة وألم، ويداه بتترجفان وهو ماسك التليفون. ما كنتش عارفة أتكلم إيه. لساني اتعقد، وكل الكلمات اللي كانت جاهزة في بالي اختفت في لمح البصر.
إنت شفت الرسالة دي امتى؟ سألته بصوت مخڼوق بالكاد خرج من حلقي.
من ساعة ما بعتتها
أمي لي قبل ما تروحي عندها بنص ساعة تقريبًا. قال بصوت ضعيف، كأنه هو اللي مصډوم مش أنا. لقيتها جاية في محادثة قديمة بينها وبين بين أمك. الرسالة دي كانت مرسلة منها ليها، بس غلطت في الرقم وبعتتها لي أنا بدل ما تبعتها ليها.
قلبي اتقبض. يعني حماتي كانت بتبعت رسالة لأمي، اتفاجأت غلطت وبعتتها لابنها لجوزي فكشف سر كان مدفون من زمان. إحنا الاتنين متفقين من زمان يعني حماتي وأمي أمي أنا متفقين؟ على إيه؟ وإيه الحقيقة اللي متفقين يخبوها عني أنا؟
جوزي قلت وأنا مش عارفة أجمع كلامي يعني أمي أمي اللي أنا أعرفها من يوم ما اتولدت هي اللي متآمرة مع أمك ضدي؟
ما ردّش. بس نزل راسه لارض، وعلامات الألم ظهرت على وشه أكتر. الصمت ده كان إجابة أثقل من أي كلام ممكن يقوله. مش عقلني يستوعب. أمي اللي ربّتني، اللي كانت تقول لي دائمًا مصلحتك فوق كل شي، اللي كانت تحذرني من الغرباء تطلع هي نفسها اللي شاركت في خداعي؟
دخلنا الشقة وقعدنا في الصالة. التليفون كان بيننا على الطاولة، كأنه قنبلة موقوتة ممكن ټنفجر في أي لحظة وتدمر كل حاجة. جوزي أخد نفس عميق وقال
أنا ما كذبتش عليكي يومًا طول الفترة اللي فاتت، كنت مصدق كلام أمي فعلاً. كانت تقول لي إن أمك بتتكلم في سري، وإنها بتخطط ليّا، وكنت كنت بصدقها عشان أمي ما كانتش تكذب عليّ في حياتي. كل مرة كانت تتصل بي قبل ما يجوا أهلك، كنت أحس إن الخطړ قرب، وكنت أتوتّر وأخاف. ولما كنت أسألها تثبت لي، كانت تقول لي الوقت هيثبتلك كل حاجة، اصبر شوية. وصدقتها لحد ما جاتلي الرسالة دي.
سكت شوية، ومسح وشه بيده بتعب وقال بصوت مخڼوق
لما قرأت الكلام حسيت إن الأرض اتزحزحت من تحت رجليا. يعني كل ده كان خدعة؟ كل ده كان متفقين عليه؟ أنا كنت بكون أداة في إيديهما؟ وأنتِ كنتِ الضحېة من غير ذنب؟
دموعي نزلت من غير ما أشعر. مش عارفة أكون حزينة ولا غاضبة ولا مصډومة. شعور غريب مزيج من كل ده. كل الذكريات بدأت تتراقص قدام عيني بشكل جديد. نظرات أمي لجوزي أسئلتها الغريبة أحيانًا صمتها في مواضيع معينة وكل ما كانت تقوله لي عن حقك وواجبك وخلي بالك منه وما تثقش فيه بسهولة كل ده بقى ليه معنى تاني مخيف.
لازم أعرف الحقيقة. قمت فجأة وقولت، ومسحت دموعي بحدة. لازم أسألهما. الاتنين. خليني أفهم إيه اللي بيحصل بالظبط.
جوزي مسك يدي بقوة وقال
لا تروحي لوحدك. خليني أجي معاكي. مهما كان اللي بيحصل، أنا معاكي. وإن كانت أمي هي اللي غلطت فأنا هكون في جانبكِ. وعد مني.
بصيت في عينيه، وشفت صدق كلامه. حاسه بالألم زي ما أنا حاسّة، وربما أكتر. هو كمان اكتشف إن أمه خدعته وخدعتني معاها، وإن كل توتره ومشاكلنا كانت نتيجة مؤامرة رتبتها الاتنين مع بعض.
اتفقنا نروح نزور أمي أولًا. الطريق كان طويل وثقيل. ما تكلمنا كتير، كل واحد فينا كان غارق في أفكاره. أنا كنت خاېفة خاېفة أعرف حقيقة تكسّرني. لحد ما وصلنا لبيت أهلي. دقّيت الجرس، وفتحت لي أمي بوشها المعتاد المبتسم، ما بين عينيها أي أثر لقلق أو خوف. لما شافتني مع جوزي، ابتسمت أكتر وقالت
يا هلا بيكم! إيه المفاجأة الحلوة دي؟ اتفضلوا اتفضلوا.
دخلنا وقعدنا. ما كنتش قادرة أصبر على الكلام. أول ما جلست،
قلت بصوت مرتعش
ماما إنتِ تعرفي حماتي تعرفيها من امتى؟
ابتسامتها اتجمدت