رجعت البيت لقيت الخدامة
لأ إنت مش فاهم. الست دي قربت منهم زيادة عن اللزوم.
أحمد بص لها.
وإنتِ خايفة ليه؟
سكتت.
كانت لحظة قصيرة
لكن أحمد لاحظ حاجة غريبة في عينيها.
خوف.
مش غضب.
خوف.
وبعد ما رانيا خرجت من الصالة، أحمد فضل واقف مكانه شوية.
بص ناحية البيانو القديم اللي كان بتاع سلمى.
البيانو ده بقاله سنتين مقفول.
ولا هو ولا الولاد لمسوه من يوم وفاتها.
وفجأة افتكر كلام رانيا.
افتكر خوفها.
وافتكر إن سلمى كانت قبل موتها بتقول له
لو حصل لي حاجة افتح البيانو.
أحمد وقتها افتكر إنها بتهزر.
لكن لأول مرة
مد إيده وفتح غطا البيانو.
مفيش حاجة.
قرب أكتر.
رفع المقعد.
برضه مفيش.
وبعدين لاحظ إن فيه حاجة رفيعة مدسوسة تحت البيانو من الخلف.
سحبها.
كانت ورقة مطوية في ظرف قديم.
وعليه بخط إيد سلمى
لأحمد بس لو رانيا حاولت
تاخد الولاد.
أحمد حس قلبه وقف.
فتح الظرف بإيد بتترعش.
وأول سطر في الرسالة كان
أحمد، لو إنت بتقرأ الكلام ده، يبقى أنا ما بقيتش موجودة ورانيا مش هي الشخص اللي إنت فاكره.
أحمد رفع عينه ناحية باب الشقة.
لأن في نفس اللحظة
سمع صوت المفتاح بيتحط في الباب من بره.
رانيا كانت رجعت.
لكن المرة دي
ما كانتش لوحدها.
أنفاسي اتجمدت في زوري، وعيني فضلت معلقة على السطر الأول في رسالة سلمى الله يرحمها رانيا مش هي الشخص اللي إنت فاكره...
صوت مفتاح الباب كان بيزيق في الهدوء المرعب اللي حل على الشقة. أحمد طبق الورقة بإيد بتترعش وحطها في جيبه الداخلي فوراً، وقفلت غطا البيانو ببطء شديد عشان ما أعملش أي صوت يلفت الانتباه.
لما الباب اتفتح بالكامل... دخلت رانيا، ووراها راجلين لابسين بدد رسمية وشايلين شنط جلد، ومعاهم راجل كبير في السن، شكله محامي مشهور وأنا بعرفه كويس.
رانيا بصت لي بابتسامة نصر صفرا، وفي عينيها نظرة قساوة وجشع عمرها ما ظهرت قدامي طوال السنتين اللي فاتوا.
أحمد بصلها بثبات وحسم وقال بصوت حاد
إيه الجنان ده يا رانيا؟! مين الناس دول؟ ودخلوا بيتي بصفة إيه في الوقت ده؟!
المحامي تقدم خطوة، وطلع ملف من شنطته وقال ببرود
أنا الأستاذ عبد العزيز، محامي مدام رانيا. وإحنا هنا بناءً على طلب رسمي لتقديم إخطار بحضانة الطفلين آدم وعمر، وبناءً على تقرير استشاري بيثبت عدم صلاحيتك للرعاية الاجتماعية والنفسية بسبب انشغالك الدائم، وبإذن قانوني لتقييم تركة المرحومة سلمى!
أحمد حس كأن الأرض بتتهز تحت رجليه. بص لرانيا بذهول
تقييم تركة؟! عدم صلاحية؟! أنتِ اتجننتِ يا رانيا؟! جايبة محامين وعايزة تاخدي
ولاد أختك من بيتي وبيت أمهم؟!
رانيا قربت منه بوقاحة وقالت بصوت مسموع ومستفز
أنا بعملك الخدمة اللي أنت مش قادر تعملها يا أحمد! أنت راجل مشغول بال 60 ساعة في الأسبوع، وسايب البيت لخدامين وغرباء يعلموا الولاد الهبل ويدسوهم بموسيقى عشان ينسوا أمهم! أنا أخت سلمى، وأنا الأولى برعايتهم وبإدارة النسبة اللي باسمهم في الشقة وفي أصول سلمى القديمة!
في اللحظة دي... مريم المربية خرجت من الصالة بالراحة، وبصت للولدين اللي صحوا من الصوت وكانوا خايفين ومستخبيين وراها. مريم مسكت إيدهم بهدوء، ونزلت لمستواهم وقالت بابتسامة دافية
ما تخافوش يا حبايبي... بابا هنا، ومفيش حد يقدر يأذيكم.
رانيا لما شافت مريم، اتجننت وزعقت بصوت واطي بس مليان غل
أنتِ يا بتاعة أنتِ! خدي حاجتك واطلعي بره البيت ده فوراً! أنتِ مجرد خدامة مالكيش كلمة هنا، وحسابك معايا على التجاوز ده بعدين!
أحمد وقف بين رانيا وبين مريم والولاد، ورفع إيده بثبات وقوة
محدش هيخرج من البيت ده غيرك أنتِ واللي معاكي يا رانيا! ومريم مش هتحرك خطوة واحدة بره الفيلا دي!
المحامي بص لأحمد وقال بثقة قانونية متصنعة
يا أستاذ أحمد... مدام رانيا معاها وكالة سارية من المرحومة سلمى لإدارة بعض الأصول المالية اللي اتكتبت باسم الولاد قبل وفاتها، ووفقاً للقانون إحنا لينا حق المعاينة والإثبات فوراً.
أحمد ضحك ضحكة قصيرة، ضحكة مليانة وجع وحقيقة اتكشفت في ثانية.
سحب الورقة من جيبه الداخلي، وسحب النظارة وفتح الرسالة قدامهم. صوت أحمد بقى يتلوا بوضوح وصريحة زي الماوس، وبدأ يقرأ خط سلمى الله يرحمها
أحمد حبيبي... لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنا مت ورانيا بدأت تنفذ خطتها. رانيا هي اللي زورت توقيعي على وكالة الحسابات والأسهم القديمة وأنا في المستشفى بكتشف مرضي. رانيا اختلست من أصولي المالية وقرض شركتي، وكنت ساكتة عشان ما أكسرش قلبي وقلبك في أيام الأخيرة. رانيا مش خايفة على الولاد، رانيا خايفة إنك تكتشف إن حسابات الولاد اتسحبت بالكامل لحسابها الخاص، ومحتاجة الحضانة عشان تتستر على السرقة وتمنع أي وصاية قانونية من جهتك... حافظ على آدم وعمر من جشعها يا أحمد.
الصمت نزل على الصالة زي الصاعقة!
وجه رانيا اتخطف تماماً، أصفر زي الجثة، والشنطة وقعت من إيد المحامي على الأرض من هول الفضيحة والقنبلة القانونية اللي اترمِت!
أحمد كمل الرسالة وهو بصص لعين رانيا المرتعشة
ملاحظة الشيكات المسروقة والعقود المزورة مرفق معها رقم الأمانة في الخزنة الخاصة بالبنك الأهلي، برقم حصر رسمي باسمك يا أحمد... استرد حق ولادك.
المحامي التفت لرانيا بصدمة وغضب
مدام رانيا؟! الكلام ده صحيح؟! أنتِ خبيتي عليا إن فيه تحقيقات مالية ووثائق بالبشاعة دي؟!
رانيا بدأت تتلعثم وترتعش، وصوتها طلع مكسور ومذعور
أحمد... افهمني! الرسالة دي سلمى كتبتها وهي تعبانة وفي غيبوبة العلاج! الكلام ده كذب وتزوير ومحدش
أحمد قطع كلامها بصرخة هزت أركان الفيلا كلها، صوت مرعب خلى رانيا ترجع لورا وتركبها بتخبط في بعضها
انكمشي يا خاينة! أنتِ مش بس سرقتي أختك وهي بتموت... أنتِ جيتي هنا تحرمي ولادي من الفرحة وتطلعيهم مجانين ومحتاجين مصحة عشان تداري على سرقتك وجرمك!
طلعت الموبايل فوراً، وكلمت مدير أمن التجمع والمحامي الخاص بعيلتي
يا فندم... عندي إبلاغ عاجل بتهمة التزوير في محررات رسمية، والاختلاس المالي لأصول قُصّر، والابتزاز والتحايل متلبسة بالوثائق والرسائل الرسمية للمرحومة زجتي!
خلال 20 دقيقة فقط...
وصلت قوة الشرطة للمكان، وتم التحفظ على رانيا والأوراق اللي معاها بناءً على رقم الأمانة والرسالة الموثقة بخط يد المرحومة، وصدر قرار نيابة عاجل بفتح التحقيق المالي واستدعائها فوراً لمكافحة الجرائم المالية.
رانيا انهارت وبكت بصوت عالي
وهي بتتسحب بره الشقة قدام المحامين والشرطة، وصرخت وهي بتستعطف أحمد
سامحني يا أحمد! عشان خاطر سلمى أختي بلاش السجن!
أحمد رد عليها بنظرة سردها الشموخ والأنفة
سلمى هي اللي كشفتك وحمت ولادها منك حتى بعد موتها يا رانيا!
بعد ما الشرطة والمحامين مشيوا...
الصالة رجعت هادية ودافية.
أحمد التفت لمريم، المربية الشريفة اللي صانت الولاد وحمت فرحتهم وقدمت إخلاصها بضمير خالص.
قرب منها ونزل على ركبته قدامها وقدا آدم وعمر، وبص لها بامتنان وتقدير عمره ما ينوصف بكلام
مريم... أنا مش عارف أعتذر لك إزاي على الكلام اللي اتقال لك. أنا كنت غايب عن ولادي ومغفّل في شغلي... أنتِ اللي رجعتِ الحياة والضحكة لبيتي ولولادي في وقت كنت فاكر فيه إننا انتهينا.
مريم ابتسمت بدفء ورضا وقالت بكل تواضع
دول ولادك يا أحمد بيه... آدم وعمر أطفال أنقياء، وهما اللي أدوني الأمل والروح من جديد.
أحمد بص لإبنه آدم وعمر، وأخد إيدهم وحطها في إيد مريم وقال بثبات وحسم
من النهاردة يا مريم... أنتِ المشرفة الأولى والمسؤولة الكاملة عن البيت ورعاية الولاد برأس مرفوعة وكرامة محفوظة، وبمراتب ومكانة تحفظ إخلاصك للأبد، وشغلي من النهاردة هيتقسم بالنص عشان أكون جنب ولادي كل يوم.
بعد مرور سنة كاملة...
في حديقة الشقة ب التجمع.
الشمس كانت دافية، والأشجار زاهية بالألوان.
آدم كان ماسك الجيتار الكبير الحقيقي بيعزف نغمات جميلة، وعمر جنبه بيطبّق بإتقان على درامز حقيقي اشتراه أبوه.
أحمد كان قاعد جنبهم في التراس، بيشرب القهوة ومستمتع بضحكهم اللي مالي المكان، بيانو سلمى اتفتح وبقى يعزف عليه مع ولاده كل ويك إند.
أما رانيا... فالنيابة العامة أخذت مجراها وتم الحكم عليها بالسجن المشدد بتهم الاختلاس والتزوير في أصول قُصّر، ورجعت كافة الأموال والأنصبة لحساب آدم وعمر القانوني.
أحمد ضم ولاده لصدره وبص للسماء بابتسامة دافية وصافية، وعرف وقتها إن الحب والإخلاص والأمان هما السند الحقيقي اللي بيرجع الحياة للبيوت، وأن حماية الأطفال وكرامتهم هما أعظم استثمار ممكن يعمله الإنسان طوال العمر.
تمت