سر حماتي حكايات بسمة

لمحة نيوز

صغير، لونه بني، ومقفل بشريط لاصق قديم. شكله كان مهمل، وكأنه اتحرك كتير من مكان لمكان، زي ما كانت هي بتتنقل بحياتها من بيت لبيت.
سحبت الصندوق ببطء وحطته على ركبتيها، وبصت لي مرة أخيرة كأنها بتستأذنني، وفكته.
أول حاجة طلعتها كانت صورة قديمة، لونها بدأ يصفر. بصيت عليها شفت فيها راجل وست وولد صغير، ومراتي كانت بنت صغيرة بينهم. قلبني حاجة لما شفت الصورة، وقلت في نفسي عيلتها.
طلعت وراها ورقة مطوية كتير، حوافها بليت من كتر ما فتحت وقفلت. وبعدين طلعت آخر حاجة ظرف أبيض مغلق، ومكتوب عليه اسمي بخط إيدها.
مدتلي الظرف أولًا، وقالت
ده ليك. اقراه بعد ما أخلص كلامي. وإن شاء الله تسامحني لو تقدر.
رجعت بالصورة قدام عيناها كأنها بتتكلم معاها مش معايا
دول والدي ووالدتي. اللي في الصورة أخويا الكبير. ماتوا كلهم في حاډثة سيارة وأنا عندي ست سنين. بقيت يتيمة، ومحدش قبل يربيني غير عمي أبوهم كان أخوه الكبير.
سكتت شوية، وعضت شفتها السفلى كأن الكلام بيوجعها وهي بتقوله
الناس كانت تقول لي إن عمي راجل طيب، وإنني حظي حلو إنه أخدني عنده. بس الحقيقة الحقيقة إنه أخدني عشان ورث أبوي. أبوي سابلي ورث كويس، وعمى ما كانش عايز حد يعرف إنه وصلي عليه لحد ما أتجوز. كان كل
اللي همه الفلوس. وكل ما كنت أقول له عايزة أعرف حاجة عن الورث، كان يزعل ويقول لي لما تيجي تتجوزي هتاخدي كل حاجتك.
بدأت الدموع تزيد تاني، ومسحتها بكم ملابسها
عشت عنده تسع سنين. تسع سنين وأنا عايشة في خوف. كان بيمنعني أتكلم مع حد، بيمنعني أخرج كتير، وكل حد ييجي يزورهم كان يخليني أختفي أو أكون معاه طول الوقت. كنت عايشة زي اللي في سجن، بس الباب مفتوح. ولما كبرت وبدأت أفهم، خفت. خفت إنه يضيع فلوسي كلها، ويقول لي إنه مفيش حاجة خلصت.
بصت لي بعيونها اللي كانت بتترجاني أفهمها
لما اتقابلنا واتجوزنا، ما كنتش عايزة أجي معاك بقلبي نظيف بس كنت جاية هاربة. هاربة من عمي، ومن حياتي كلها اللي كانت مظلمة. خبيت كل حاجة عنك، ما حكيتلكش حاجة عن عيلتي، قلتلك ماتوا في حاډثة وخلاص، لأنني كنت خاېفة. خفت لو عرفت تفاصيل حياتي، تسيبني. وخفت أكتر من إن عمي يجي ورايا ويجيلك المشاكل، ويحاول ياخد الفلوس بأي طريقة.
وقفت شوية تاخد نفسها، وأنا قلبي كان بيتقطع عليها، ونسيت كل حاجة كنت زعلان عشانها، وكل اللي كنت فاكره إن في حاجة غريبة بيننا. كنت مصدق أمي إن في سر، بس ما توقعتش إن السر ده كل الألم ده.
كملت
فكرة إن حد ييجي يزورنا من غير ميعاد كانت بتقتلني. لأنني كنت خاېفة يكون هو. خاېفة يدخل عليا بيتي من غير ما أعرف، ويروح يبحث عن الأوراق اللي تثبت إن الورث ليا، وياخدها ويمشي. أو يكلمك ويقول عليا كلام وحش عشان تتركني. عشان كده كنت أطلب منك دائمًا تقوليلي قبل ما حد يجي. عشان أكون مستعدة، أكون حذرة، أتأكد إن اللي جاي مش هو.
رفعت الورقة المطوية وفتحتها قدامي
دي الأوراق كلها. شهادة الۏفاة بتاعة أبوي وأمي، ووصية أبوي، وكل حاجة تثبت إن الورث ليا. كنت مخباه هنا في الدرج لأنني كنت عارفة إن محدش يفتحه غيري. وكل ما أمك كانت تيجي، كنت أتخيل إنها تشك فيا، أو إنها تفتح الدرج وتشوف الأوراق وتسألني عنها، وأنا مش عارفة أجاوبها. كنت خاېفة أتكلم، وخاېفة أصدق، وخاېفة أعيش في الكذبة دي باقي حياتي.
سكتت أخيرًا، والصوت راح منها، وبقت بس تتنفس بصوت عالي كأنها خلاص رميت حمل تقيل كاتمها من سنين.
أنا وقفت ساكت مدة طويلة. كنت حاسس بمشاعر كتير متداخلة حزن شديد عليها، وڠضب جامد على عمها اللي عمل فيها كده، وندم إني كنت شايفها غريبة ومش مطمنة من غير سبب حقيقي. وبصيت لأمي لقيت عيناها مليانة دموع، وبتحاول تمنعها، ووجهها كان عليه تعب ورحمة.
قربت من مراتي، ومديت إيدي ومسكت إيدها اللي كانت باردة ومترجفة، وقولت لها بكل هدوء وحنان
ليه ما قلتليش من أول يوم؟ أنا جوزك. المفروض أكون أول واحد تروحيله لما تخافي.
رفعت لي عيناها وقالت
لأن الكرامة بتاعتك وأمانة البيت بتاعتك كانت غالية عليا. ما كنتش عايزة أجي أحملك همومي وأنا لسه عروسة. كنت فاكرة ممكن أعيش وأنسى، وإن الموضوع هيمشي. بس كل ما كنت بشوفك طيب معايا، كل ما كنت بحبك أكتر، كنت بټرعب أكتر من إنك تعرف الحقيقة وتسيبني. كنت عايشة في مفارقة وحشة بحبك وأخاف من اليوم اللي تعرف فيه حقيقتي.
ضغطت على إيدها وقولت
ده مش ذنبك. ده اللي حصل معاك ڠصب عنك. وأنا مش هسيبك. ولو عمك نفسه جاي الباب ده، أنا معاكي ضد أي حد يأذيكِ. فاهمة؟ من
اليوم ورايح، ما تخبين حاجة عني تاني. كل حاجة بيننا بصراحة.
عيطت أكتر بس المرة دي كانت عياطة راحة مش خوف، ورمت نفسها في حضڼي، وشديتها ليا بقوة حاسس بيها، وحسيت إن الحاجز اللي كان بيننا من غير ما نعرف إيه هو، اتكسر في اللحظة دي.
أمي قربت منا، وحطت إيدها على كتفها، وقالت بصوت حنون
سامحيني يا بنتي إن كنتِ خفتي مني. ما كنتش عايزة أضايقك، كنت بس حاسة إن في حاجة بتعذبك
تم نسخ الرابط