سر حماتي حكايات بسمة

لمحة نيوز

وحبيت أساعد. من النهارده أنا أمك، وعمك ده لو فكر يقرب منك، لينا كلام تاني معاه. ما تخافوش بعد كده.
جلوسنا معاها طول الليل. حكت لنا كل حاجة بالتفصيل كيف كان عمها يعاملها، كيف كانت بتخفي الأوراق من مكان لمكان لحد ما جات عندنا، كيف كل ليلة كانت بتنام وتصحى على خوف، وكيف كانت تحبني وتعيش في ړعب من إني أعرف ماضيها. سمعناها لحد ما صوتها راح، ولحد ما عيناها تعبت من الدموع.
بقينا نعرف الحقيقة، وبدأت رحلة تانية رحلة نخلصها من الخۏف اللي عاشته تسع سنين.
بعد يومين، قررنا نروح لمحامٍ نعرف حقوقها بالظبط، ونتأكد إن عمها مش يقدر يأذيها ولا ياخد حاجة ليها. كنت معاها في كل خطوة، ومشيت جنبها في كل مكان. ولما طلعت الأوراق للمحامي، قال لنا إن حقوقها محفوظة، وإنها تقدر تطالب بكل الورث، وحتى حساباته القديمة معاها، وإن عمها ما يملكش حق في أي قرش.
مر أسبوع، واتنين، وشهر. وبدأت ألاحظ إن التوتر اللي كان مالي عيونها بدأ يختفي شوية شوية. كانت بتسمح لحد يزورنا من غير قلق زي الأول، وكانت بتضحك أكتر، وبتنام بعمق من غير ما تصحى مڤزوعة.
لكن ما كنتش عارف إن الموضوع لسه خلصش. وإن اللي حصل مجرد بداية.
في يوم من الأيام، رجعت من الشغل ولقيتها قاعدة في الصالة وشها متغير، والتليفون في إيدها. أول ما شافتني، قامت بسرعة وقالت
هو اتصل.
قلت بقلق
مين؟
عمي.
قربت منها بسرعة
وقال إيه؟
عرف إني اتجوزتك. وعرف مكاني. وقال لي إنني لازم أروحله وأتكلم معاه، وإلا هيجي هو هنا ويقوللك كل حاجة.
شديتها ليا
خلاص ييجي. أنا معاكِ. ما تخافش.
أنا خاېفة يأذيك. هو إنسان ما يعرفش رحمة.
يبقى يشوف أنا كمان مش هسكت.
اتفقنا نروح نتواجهه. مش عشان نستسلم، عشان نخلص منه للأبد.
رحنا له في بيته القديم اللي عاشت فيه معاه سنين الخۏف. أول ما شفته، شفت راجل عجوز قاسې الملامح، عينيه بتلمع بطمع وڠضب. أول ما دخلنا، قال بصوت عالي
أخيرًا جيتي. فكرتِ هتهربي مني؟
مراتي كانت ماسكة إيدي بقوة، وقلت أنا بصوت واضح
هي مش هاربة. جايين نعرفك إن حقوقها محفوظة، ومش هتقدر تاخد منها ولا قرش. وإن شاء الله لو تفضل تضايقها، هنرفع عليك قضية.
ضحك بصوت عالي وقال
قضية؟ وأنتَ فاكر حد يصدقها؟ يتيمة ضعيفة تقول عليا كلام؟ أنا اللي ربيتها! أنا اللي أنفقت عليها!
قلت له
الأوراق موجودة، والمحامي عارف، والقانون هيوصل للحق. وإن كنت راجل حق، تسيبها في حالها وتعيش حياتك.
كلامنا ده ما عجبهوش، واتكلم معانا كلام وحش، وهددنا، واتوعدنا. لكن في النهاية، لما شافنا مش خايفين منه، ولما شاف إننا جاهزين نروح للمحكمة، بدأ يهدأ شوية، وبدأت تظهر عليه علامات الإرهاق والخۏف هو التاني. عرف إن اللعبة خلاص خلصت، وإن مش هينفع معاه الخۏف والټهديد زي ما كان بيعمل زمان.
طلعنا من عنده، ومراتي كانت بټعيط بس فرحة دي المرة فرحة إنها واجهته، وإنها خلاص
مش خاېفة منه بعد كده. مشيت في الشارع وهي مرفوعة الراس لأول مرة من سنين طويلة.
عدت شهور، واتحلت الأمور بالمحكمة، واخدت كل حقها. وبدأت حياتنا تصير هادية ومستقرة.
أمي كانت تيجي بيتنا في أي وقت، وبقت تفتح الأدراج وتدخل الأوض من غير ما حد يقلق، لأن الدرج اللي كان مخبي السر بقى مفتوح للكل، والسر بقى حكاية عاشت وخلصت.
في ليلة كنت قاعد جنبها في الشرفة، والهواء بيلعب بشعرها، قالت لي فجأة
تعرف كنت فاكرة لما تفتح الدرج ده، هتفتح باب تخرج منه من حياتي.
وأنا كنت فاكره هيفتح باب يدخل منه حاجة وحشة بيننا. بس الحقيقة إنه فتح باب عرفتك بيه أكتر. وعرفتني إيه معنى إن نكون مع بعض في السراء والضراء.
بصت لي وابتسمت ابتسامة صافية نظيفة من كل خوف وقلق
شكرًا إنك ما سبتنيش.
شكرًا إنك أخبرتني.
ضميتها ليا، ونظرنا للشارع اللي تحتنا هادي، وعرفت إن البيوت ما بتتبنى على إخفاء الأسرار، بتتبنى على الصدق اللي بييجي حتى لو متأخر. وإن الخۏف اللي عايشته مراتي ما كانش مجرد توتر، كان صړخة طلب مساعدة ما عرفتش تطلعها غير لما اتكسر حاجز الصمت.
واليوم كل ما أشوف الدرج القديم ده في الصالة، ما أفتكرش الخۏف اللي كان جواه أفتكر الحب اللي كان أقوى من الكذبة، والصدق اللي بيجي بثمن بس بيجيب الراحة اللي ما تثمنش.
والدرج بقى مفتوح دائمًا. مش عشان مخبي حاجة، بس عشان نعرف إن ما بيننا ما يحتاجش يخبى ورا باب مقفول أبدًا.
وبعد مرور سنة، جتنا بنتنا الصغيرة. وسماها أمان. عشان تكون أمان لينا، وعشان نعيش معاها حياة ما فيها خوف ولا سر. وفي يوم وهي بتجري في البيت، فتحت الدرج القديم ولقيت الصورة القديمة بتاعة عيلتها، جريتها لنا ومدتها لينا بابتسامة بريئة.
مراتي شافت الصورة، وشافت بنتها، وشافتني جنبها، ودمعة نزلت من عينها بس ما حبستهاش. لأنها دمعة راحة وفرحة واطمئنان. مسكت إيد إيد بنتها، وقالت لها
دول ناس كانوا بيحبوني زي ما أنا بحبكِ. والحياة بتمشي يا حبيبتي، والناس اللي بنحبهم بيفضلوا معانا في قلوبنا مهما حصل.
وعرفت في اللحظة دي إن الجراح بتلتئم، والخۏف بېموت، والحب الحقيقي بيبنى حتى على أنقاض الكلام اللي اتأخر في القول.
الدرج بقى مجرد درج في البيت، والأوراق في مكانها الآمن، والسر صار حكاية نحكيها لما نكبر
حكاية عن إنسانة كانت خاېفة تقول الحقيقة، وراجل كان مستعد يسمعها، وأم عرفت تشوف اللي ورا العيون قبل ما تتكلم الألسن.
وكل يوم بيتأكد لي إن أجمل بيت مش اللي بيتكون من حيطان وسقف، ده اللي ما يخبي ورا درجاته ولا جدرانه حاجة بين أهله. وإن الصدق مهما كان متأخر، بيجي بيطهر القلوب ويبني البيوت من جديد.

تم نسخ الرابط