هدية جوزي حكايات بسمة
جوزي كان كل عيد ميلاد يجيبلي نفس نوع الهدية بالضبط، رغم إني كل سنة أقول له إني مش بحبها. لحد ما اكتشفت إن الهدية أصلًا مش اختياره!
دي كانت العقدة اللي وجعت قلبي سنين طويلة من غير ما أفهم السر وراها. خمس سنين جواز، وكل سنة لما ييجي يوم عيد ميلادي، يدخل عليّ حسام بنفس الابتسامة الميكانيكية، وفي إيده علبة كرتون شيك ملفوفة بشريط ستان أحمر. وأول ما أفتح العلبة، ألاقي نفس الهدية اللي بكركَبها في الدولاب وما بلمسهاش طقم برفان بريحة الفانيليا الثقيلة جداً وميك أب بألوان صاړخة ما بتناسبش طبيعتي ولا زوقي تماماً!
في أول سنة، ابتسمت وقلتله برقة تسلم إيدك يا حبيبي، بس أنت عارف إن الريحة دي بتجيبلي صداع، والألوان دي مش ستايلي خالص، المرة الجاية بلاش تكلف نفسك في النوع ده بالذات. هز رأسه ووعدني إنه هيفتكر. لكن السنة اللي بعدها، واللي بعدها، واللي بعدها.. ييجي نفس اليوم، بنفس العلبة، ونفس البرفان، ونفس الدرجات اللي بيكرهها قلبي!
كنت أستغرب جداً وأسأل نفسي معقولة في راجل يتنسى طلب مراته المباشر خمس سنين ورا بعض؟! معقولة للدرجة دي مش مركز معايا ولا فارق معاه أنا بحب إيه وبكره إيه؟! لحد ما الشك بدأ يأكل في قلبي، وقلت لازم أفهم هو بيكرر نفس الغلطة دي ليه ومين اللي بيختار الهدية دي أساساً.
في عيد ميلادي الخامس، قعدت مستنية السيناريو المعتاد. دخل بالعلبة، سلم عليّ، وحطها قدامي بنفس النظرة الباردة. أخدت العلبة وابتسمت ابتسامة باهتة، وقبل ما أفتحها وقلبي مقبوض، سمعت صوت إشعار رسالة وصوت فويس نوت طالع من تليفونه اللي كان حاطه على السفرة جنب العلبه.
حسام اتلبك فجأة، وجري يمسك التليفون بسرعة قبل ما أسمع، بس السبيكر كان عالي.. وصوت ست طالع بوضوح شديد بتقوله إيه يا حسام؟ سلمتها الهدية اللي اخترتها لك زي كل سنة ولا نسيت؟! أصل برفان الفانيليا والميك أب ده زوقي المفصل ومستنية أخد منك نصيبي منهم زي ما اتفقنا!
في اللحظة دي، الهدوء نزل عليا وزي ما أكون اټصدمت بحيطة سد. بصيت له ووشه بقى ألوان، والتليفون هيقع من إيده. اتاري الهدية مش اختياره أصلاً، ده كان بيشتري الهدية على ذوق واحدة تانية خالص في حياته، وبياخد رأيها في كل حاجة تخصني، والأدهى إنه كان بياخد الهدية اللي ما بعجبنيش ويقسمها أو يقدمها ليها بعد ما أرفضها أنا!
وقفت على حيلي ورجلي بترعش، وبصيت في عينيه وقلتله بصوت طالع بالعافية المكان اللي جابت منه الهدية دي.. ترجعله حالا وما ترجعليش تاني!
الكلام اللي قلته لسه مخرج من فمي وحسيت بثقل في الصدر، وكأن كل كلمة كانت حجر رميتها في بحر هدوء كنت أعيشه سنين، والآن الموج طلع بيكل حاجة. حسام واقف قدامي كأنه اتجمد، إيده لسه ماسكة التليفون، وعينيه بتتحرك بسرعة كأنه بيدور على مخرج من الموقف المفاجئ ده. ما توقعش أبدًا أني أسمع الرسالة، ولا أني أكتشف السر اللي كان بيخبيه خمس سنين كاملة.
يا سارة.. اسمعني، مش زي ما فهمتي.. قال بصوت متقطع، وكل كلمة منه كانت بتزيد ڼار في قلبي.
مش زي إيه؟ مش زي إيه يا حسام؟! صوتي طلع أعلى من اللي كنت متوقعة، ودموعي بدأت تجمع في عينيّ رغم إني حاولت أتمسك بنفسي. سمعتها بوضوح، ست بتقولك زوقي المفصل وبتستنى نصيبها من الهدية اللي المفروض لي أنا! وكل سنة بتجيبلي نفس الحاجة اللي قلتلك مرات
ومرات إني مش بحبها، وكلها عشان تُرضيها هي؟ أنا كنتِ مراتك، يا حسام! أنا اللي قاعدة معاك في البيت، اللي بصحاك وبيصحوني، اللي بشاركك كل حاجة، وأنت كل سنة بتجيبلي هدية على ذوق واحدة تانية؟!
سكت، ما عرفش يقول إيه، ووشه تحول لون الأحمر لدرجة كأنه محروق. في اللحظة دي، كل الذكريات الماضية مرت قدامي زي الفيلم كل سنة كنت بفتح العلبة بقلق، كنت أتمنى إنه المرة دي يختلف، إنه يتذكر اللي قلتله، إنه يفكر فيَّ أنا مش في حد تاني. وكل سنة كنت بكتفي بابتسامة خفيفة وقلت له تسلم، وكنت أخبئ خيبة أملي جوا نفسي، ما كنتش أريد أكون زوجة شكاكة أو كثيرة الكلام. قلت يمكن مع الوقت يتعلم، يمكن هو مش عارف، يمكن الرجالة مش بتبحث في التفاصيل. لكن الحقيقة كانت أقسى بكتير هو مش مش عارف، هو ما كانش بيفكر فيَّ أصلاً.
مين دي؟ سألته بصوت هادئ لكنه محمل بكل ألم الدنيا. مين اللي ليها الكلمة الأولى في هديتي؟
حسام نزل راسه، وبدأت تظهر عليه علامات الضعف والاڼهيار.
هي.. هي مامت سلوى قال بصوت خاڤت، كأنه خاېف يسمع نفسه. والدتها..
اتفاجأت، ما كنتش أتوقعها أبدًا. سلوى كانت أختته الكبيرة، اللي كانت دائمًا تتصرف كأنها هي اللي تملك كل حاجة في البيت، اللي رأيها فوق كل رأي، ومامت سلوى.. يعني أمهم، السيدة عزيزة، اللي كانت دائمًا بتعاملني كأني ضيفة في بيتهم، مش بنت أصيلة ولا مرات ابنها.
مامت سلوى؟ كررت الكلمة بدهشة وألم. يعني كل سنة أمك هي اللي بتختار الهدية لي؟ وأنت بتسلمها لي زي ما تكون جبتها بنفسك؟ وبتسمح لها تقسم الهدية معايا؟ يعني أنا مش ليا حتى حق اختيار اللي ييجي لي في عيد