صرخ: ماذا تفعلين بأطفالي؟ ثم انكشفت الحقيقة التي غيّرت حياته إلى الأبد

لمحة نيوز

ما الذي تفعله بحق أطفالي
شق صراخ توماس ريفاس الهواء كالسوط. توقف فجأة عند مدخل غرفة الأطفال وعيناه متسعتان من الذهول. انزلقت الحقيبة من يده وارتطمت بالرخام فتناثرت محتوياتها. أمامه كانت أنخيلا موراليس الموظفة التي لم يمض على تعيينها سوى أسبوع.
كانت تمسح الأرض وهي تحمل توأميه ذوي الأشهر الخمسة كأنهما طفلاها. كان نيكولاس نائما على ظهرها مشدودا بقطعة قماش قديمة أما غايل فكان على صدرها يتأمل كل شيء بعينين لامعتين. وللمرة الأولى منذ خمسة أشهر لم يكن أي منهما يبكي. التفتت أنخيلا ببطء نحوه بلا عجلة بلا خوف. نظرت إليه بعينين داكنتين فيهما سكينة نزعت منه كل سلاح.
قالت بصوت رقيق
لن أؤذيهما يا سيدي أنا فقط فقط أعتني بهما.
فتح توماس فمه ليزأر بأمر آخر لكن الكلمات علقت في حلقه. لأن التوأمين لم يرتعبا بينما كان يصرخ. بل إن غايل مد يده الصغيرة نحو أبيه كأنه يتعرف إليه للمرة الأولى.
وفتح نيكولاس عينيه ببطء بلا دمعة واحدة هذان الطفلان اللذان بكيا بلا انقطاع خمسة أشهر طويلة. هذان الرضيعان اللذان كانا يرفضان أي تماس بشري ويتشنجان حين تحاول المربيات حملهما وقد حولا قصره إلى جحيم من الصراخ اليائس بدوا الآن كائنين مختلفين تماما.
وإن كانت هذه الحكاية قد لامست قلبك منذ لحظتها الأولى فتابع القراءة لأن ما كان توماس على وشك اكتشافه سيغير إلى الأبد فهمه للحب وللفقد وللمعجزات التي تأتي أحيانا متنكرة في هيئة شخص شديد التواضع.
كانت هناك موظفة منزلية تخفي سرا قادرا على مداواة أسرة محطمة وكانت هناك أيضا طبيبة نفسية ستفعل أي شيء لتدمير تلك الصلة الغامضة. بعد أن صرخ توماس ورأى تلك الطمأنينة الغريبة في عيني أنخيلا ظل متجمدا على عتبة غرفة الأطفال.
لم يكن يعرف أهو غاضب أم مشوش أم مرتاح فهذه أول مرة منذ خمسة أشهر لا يبكي فيها طفلان.
بعد ثلاث ساعات كان يجلس في مكتبه وكأس الويسكي على الطاولة لم يمس وألف سؤال يقصف عقله. وكانت صورة كلارا تحدق به من إطار ذهبي كأنها تحاسبه على ردة فعله.
كانت زوجته تبتسم من داخل الصورة ويداها تداعبان

بطنا في شهره الثامن كان يحمل التوأمين. كان في وجهها ذلك النور الخاص الذي لا تملكه إلا النساء الحوامل السعيدات. كانت عيناها الخضراوان تلمعان بحلم لن يراه توماس فيها ثانية. لقد بدأ المخاض في يوم ثلاثاء ممطر من شهر فبراير.
ولد التوأمان قبل موعدهما عند الأسبوع السادس والثلاثين يقاومان كل نفس داخل حاضنات بدت كأنها كبسولات فضائية. تحملت كلارا اثنتي عشرة ساعة من المخاض وكانت تبتسم حتى حين يثنيها الألم. همست له وهي تقبض على يده بقليل القوة التي بقيت لديها
سيكونان جميلين يا توماس سيملآن قلبك حبا
لكن قلبها توقف قبل أن تتعرف إليهما.
نزف ما بعد الولادة مضاعفات لم تكن في الحسبان. وفي دقائق معدودة كانت المرأة التي كانت ضوءه طوال ثماني سنوات تذوي بينما كان كائنان صغيران يصارعان للبقاء في غرفتين منفصلتين. لم يكن توماس يريد أن يصبح أبا يوما. عالمه كان الأعمال والاندماجات والأرقام والخطط هذا هو لغته الطبيعية.
أما الأطفال فكانوا أرضا مجهولة ولا سيما هؤلاء الأطفال الذين جاؤوا موسومين بالمأساة. في الأشهر الأولى استقدم أفضل المربيات في البلاد نساء يحملن شهادات جامعية وخبرة في العناية المركزة وتوصيات لا تمس. لكنهن كن لا يصمدن أكثر من شهر. كانت كل واحدة تستقيل وهي تقول
الأطفال لا ينامون يا سيد ريفاس يبكون بلا توقف. لا يستجيبون للمؤثرات يحتاجون إلى مساعدة متخصصة.
ثم جاءت الدكتورة مارسيلا إيبانيس اختصاصية علم نفس الأطفال صديقة كلارا المقربة منذ الجامعة امرأة في الثانية والأربعين بشعر بلاتيني وابتسامة لا تصل إلى العينين. درست في هارفارد ولها عيادة خاصة في أرقى أحياء المدينة وتتحدث بسلطة من لم يشك في نفسه يوما.
قالت في أول زيارة وهي تراقب التوأمين عن بعد ببرود سريري
الطفلان يمران بصدمة عاطفية. فقدان الأم في أكثر لحظات حياتهما هشاشة أوجد نمطا حادا من قلق الانفصال.
بدت كلماتها منطقية علمية. تعلق بها توماس كالغريق.
سألها وماذا توصي
فأجابت روتين صارم تحفيز مضبوط ومنع أي روابط عاطفية مبكرة مع مربيات مؤقتات. الطفلان يحتاجان
إلى الاستقرار لا إلى ارتباك عاطفي.
وبإشرافها تحول البيت إلى ما يشبه العيادة مواعيد عسكرية للرضاعة قيلولات محسوبة بالدقيقة ألعاب تعليمية مصفوفة وفق دليل نمو الطفل.
كل شيء كان مثاليا على الورق لكن في الواقع ظل نيكولاس وغايل كائنين صغيرين لا يعزيان يبكيان حتى تنقطع أصواتهما.
عندها ظهرت أنخيلا موراليس قبل أسبوع فقط وطرقت باب الخدمة مجيبة عن إعلان نشرته مديرة المنزل
مطلوب موظفة منزلية خبرة في التنظيف وتوصيات ضرورية.
لم تحمل شهادة جامعية ولم تعمل في قصور. توصياتها كانت رسائل بخط اليد من سيدات في حيها يشهدن بأمانتها واجتهادها. عمرها واحد وثلاثون عاما أم مطلقة لديها ابنة مراهقة تسكن شقة صغيرة ذات غرفتين في الطرف الآخر من المدينة.
قالت في المقابلة بصراحة جارحة تذكرها الآن جيدا
لا أعرف شيئا عن أطفال الأغنياء لكنني أعرف كيف أنظف وأعرف كيف أعمل بجد وأعرف أنني بحاجة إلى هذا العمل.
وظفها توماس من فرط اليأس أكثر من الاقتناع. كانت خامس موظفة تنظيف في ثلاثة أشهر فاللواتي سبقنها كن يستقلن بسبب التوتر الخانق وبسبب بكاء طفلين لا ينقطع.
خلال أسبوعها الأول اقتصرت أنخيلا كما بدا على أعمالها تكنس السجاد الفارسي تلمع رخام الممرات تنظف النوافذ الكبيرة. تعمل بصمت وتتحرك في البيت كظل كفؤ. لكن توماس أدرك الآن أنه كان أعمى.
كان التوأمان قد هدآ قليلا في الأيام الأخيرة. لم يختف البكاء لكنه صار أخف. ظن توماس أن ذلك بسبب روتين مارسيلا أو بسبب الأدوية الجديدة أو لأي سبب إلا سبب واحد وجود موظفة منزلية تملك فيما يبدو موهبة لا تفسر لتهدئة طفليه.
كم مرة كانت أنخيلا قريبة من التوأمين من غير أن يلاحظ كم مرة لمست طفليه بينما كان هو غارقا في اجتماعات لا تنتهي تلك اللقطة التي رآها ذلك اليوم كانت تعود في ذهنه كفيلم لا يتوقف أنخيلا تمسح الأرض والتوأمان محمولان عليها كأن الأمر أبسط ما يكون.
تلك الليلة اتخذ توماس قرارا خالف كل البروتوكولات التي وضعتها مارسيلا. صعد إلى غرفة التوأمين بعد العشاء. وجد أنخيلا في المكان الذي توقع أن يجدها فيه
جالسة على الأرض بين السريرين ساقاها مطويتان كطفلة.
كان نيكولاس مسترخيا تماما بين ذراعيها بينما كان غايل يعبث بأصابع قدميه ويصدر همهمات رضا. لكن الذي حبس أنفاس توماس لم يكن ذلك فحسب بل كان الأغنية.
كانت أنخيلا تغني بصوت منخفض يكاد يكون همسا لحنا عرفه فورا. إنه نفس لحن التهويدة التي كانت كلارا تدندنها أثناء الحمل تلك الليالي التي كانت تستلقي فيها على جنبها وتداعب بطنها وتحدث الطفلين.
وكانت الكلمات تنساب في الهواء كأنها سحر. ولم يكن التوأمان يهدآن فقط بل كانا يبتسمان. أغلق نيكولاس عينيه وهو يتنفس بأمان من يشعر أنه في حضن العالم. وكان غايل يحدق في وجه أنخيلا بتركيز شديد كأنه يحفظ ملامحها.
قالت أنخيلا من دون أن تلتفت سيدي فانتفض توماس. لقد شعرت بوجوده كأن لديها حدسا خاصا.
تمتم توماس وقد شعر بالسخف لأنه يتجسس في بيته أنا سمعت سكونا فظننت أن شيئا ليس على ما يرام.
نهضت أنخيلا بهدوء كي لا تقلق الطفلين وقالت هذا طبيعي أنت لست معتادا أن يسكنا.
كان في صوتها شيء ليس لوما ولا تبريرا بل حقيقة بسيطة كأنها بديهية لم يستوعبها بعد.
سألها توماس بصوت بدا أضعف مما أراد كيف تفعلين ذلك المربيات المتخصصات والأطباء لا أحد استطاع.
أجابت بصراحتها القاسية لا أعرف أنا فقط أحب أن أكون معهما.
وضعت نيكولاس في سريره بحركات ناعمة كأنها تتعامل مع زجاج ثمين. احتج قليلا لكن ما إن مررت يدها على جبينه حتى هدأ فورا.
قال توماس هذه ليست إجابة.
نظرت إليه أنخيلا وقالت هل تحدثهما
ارتبك أتحدث
قالت هل تروي لهما شيئا هل تقول لهما إنك تحبهما
ضربه السؤال في صميمه كقبضة. أدرك أنه لا لم يتحدث إليهما حقا. كان يراهما مسؤولية تدار ومشكلة تحل وكائنين هشين يعتمدون عليه لكنه لم يعرف كيف يصل إليهما.
حاول أن يتكلم لكن الكلمات خانته. فقالت أنخيلا ببساطة موجعة هما يعرفان الأطفال يعرفون دائما من يحبهم بصدق ومن يكتفي بأداء الواجب.
كانت حقيقة جارحة. شعر توماس كأن ضوءا فاضحا أزيح عن عينيه.
في الأيام التالية بدأت رقصة غريبة من المراقبة المتبادلة. صار توماس
يمكث أكثر في البيت يختلق الأعذار ليقترب من
 

تم نسخ الرابط