صرخ: ماذا تفعلين بأطفالي؟ ثم انكشفت الحقيقة التي غيّرت حياته إلى الأبد
من الإحباط. كانت إحدى المربيات تحاول إطعامهما لكنهما يديران وجهيهما ويرفضان كل عزاء.
قال توماس اتركيني وحدي معهما.
خرجت المربية وقد بدا الارتياح عليها.
اقترب توماس ببطء. نظر إليه الطفلان بعيني كلارا الخضراوين لكن كان فيهما الآن حزن لا ينبغي أن يسكن مخلوقين صغيرين.
همس وصوته ينكسر أنا آسف آسف جدا.
جلس على الأرض بين السريرين يقلد جلوس أنخيلا. بدأ يتحدث إليهما عن يومه عن الطقس عن أي شيء. لكنه شعر أنه لا يكفي. هو ليس أنخيلا. لا يملك تلك اللمسة التي تحول الصراخ إلى ابتسامة.
في تلك الليلة اتخذ قرارا يغير كل شيء.
في اليوم التالي طلب من أنخيلا أن تبقى بعد انتهاء وقت العمل. قال لها لقد أخطأت. وكانت أصعب جملة قالها في حياته. الطفلان يحتاجانك وأنا أنا أيضا.
نظرت إليه بعينيها الساكنتين وكأنهما تخبئان أسرارا قديمة.
قالت والدكتورة
قال توماس بحزم لم يشعر به منذ أيام الدكتورة لا تعيش في هذا البيت لا تعرف طفلي كما تعرفينهما ولن تقرر من يحق له أن يحبهما.
بعد أسبوعين من تحديه أوامر الدكتورة إيبانيس استعاد توماس شيئا ظنه ضاع للأبد السلام داخل بيته. عاد التوأمان يبتسمان. عادت أنخيلا إلى روتينها الطبيعي معهما. وللمرة الأولى منذ موت كلارا بدا القصر بيتا حقيقيا.
لكن ذلك الهدوء كان خادعا. توقفت مارسيلا عن الزيارة فجأة بحجة انشغال المواعيد كلما حاول توماس التواصل. واستقالت المربيات المتخصصات دفعة واحدة بدعوى اختلافات منهجية لا تحل. وعلى الرغم من أن شيئا لم يتغير رسميا كان توماس يشعر بتوتر يتزايد كأنه يعيش داخل عين إعصار لم يصل بعد.
وفي إحدى تلك الأمسيات الهادئة ظاهريا وبينما كان ينظم أوراق كلارا التي كان يؤجل فتحها منذ وفاتها قرر القدر أن يكشف أوراقه.
كان توماس في غرفة النوم الرئيسية يفرغ أخيرا آخر درج من أدراج طاولة زينة زوجته حلي لن ترتديها عطور لا تزال تحفظ أثرها صور رحلات عاشاها. كان كل شيء طعنة. وفي قاع الدرج ملفوفا بمنديل حرير أزرق وجد شيئا غير متوقع دفتر يوميات صغيرا من جلد بني وعدة أظرف
كان اسم كلارا محفورا على الدفتر بحروف ذهبية. أما الأظرف فكانت موجهة لأشخاص مختلفين. أحدها أوقفه في مكانه
إلى توماس لا تفتح إلا إن حدث لي شيء أثناء الولادة.
بيدين مرتجفتين كسر الختم وأخرج أوراقا بخط كلارا الأنيق.
كان تاريخ الرسالة صفعة قبل يومين من ولادة التوأمين.
حبيبي إن كنت تقرأ هذا فهذا يعني أن شيئا ما حدث ولم أستطع أن أبقى لأربي طفلينا معك. أعلم أنك خائف. لطالما خفت من الحب من الضعف من فتح قلبك تماما. لكن هذين الطفلين سيحتاجان روحك كاملة لا حمايتك فقط.
هناك أمور لم أخبرك بها لأني لم أرد أن أزيد همومك لكن الآن يجب أن تعرف الحقيقة. في الأشهر الأولى من الحمل واجهت مضاعفات نزفا وتهديدا بفقدان الحمل وليالي طويلة في المستشفى وأنا أظن أنني سأفقد الطفلين. كنت مرعوبة وحيدة لا أعرف إلى من ألجأ.
كنت تعمل كثيرا منشغلا ببناء مستقبلنا فلم أشأ أن أضيف خوفي إلى عبئك. حينها تعرفت إلى أنخيلا. كانت تعمل في المستشفى ليلا في التنظيف لكنها لم تكن موظفة عادية. كان لديها يا توماس شيء لا يفسر قدرة على تهدئة من يتألم.
وجدتها تبكي في حمام المستشفى بعد إنذار كاذب فجلست معي. لم تحاكمني ولم تعط نصائح طبية سمعتها ألف مرة فقط رافقتني. ومع مرور الشهور صرنا صديقتين. كانت تزورني في الأيام الصعبة وتحضر لي شاي أعشاب تصنعه بيدها. وتحكي لي عن ابنتها لتبعد الخوف عني.
وحين بدأ الطفلان يتحركان كانت أنخيلا تضع يديها على بطني فكان الأمر كأنهما يعرفانها. يهدآن فورا. قالت لي جملة لن أنساها هؤلاء الأطفال سيحتاجون كثيرا من الحب يا سيدة كلارا حبا لا يتعلم من الكتب. وكانت محقة.
كنت أعلم في أعماق قلبي أن هناك شيئا خاصا في صلتهما بأنخيلا. لذلك يا توماس إن حدث لي شيء فابحث عن أنخيلا موراليس. لا كموظفة ولا كمربية مؤقتة بل كأم ثانية سيحتاجها طفلانا. لديها شيء لا يستطيع مالك ولا أفضل المختصين في العالم أن يشتريه القدرة على الحب بلا شروط ورؤية روح الإنسان وراء ظروفه.
أعلم أن هذا سيبدو غريبا عليك وكأنه شيء
وتوماس احذر مارسيلا.
أعلم أنها صديقتي وأعلم أنها ستعرض المساعدة لكن هناك شيئا يقلقني فيها. أثناء الحمل بدأت تتصرف بغرابة. كانت تعلق على صعوبة أن تربي الطفلين وحدك وتلمح إلى أنها قد تتولى الأمر إن حدث لي شيء. في البداية ظننتها شفقة لكني بدأت ألاحظ نظرتها إلى بطني وطريقة حديثها عن أطفالنا بدل أطفالك.
لا أعلم ما الذي تخطط له لكني أشعر أن نيتها ليست كما تبدو. أرجوك لا تسلم طفلينا قبل أن تتأكد تماما أن ذلك هو الصواب.
أحبك يا توماس أحب طفلينا عني وتذكر أحيانا تأتي الملائكة متنكرة في هيئة أشخاص عاديين.
المخلصة لك دائما كلارا.
ملاحظة الظرف الآخر يحتوي كل بيانات أنخيلا عنوانها هاتفها كل المعلومات التي ستحتاجها لتصل إليها. ليس مصادفة أنها ظهرت في حياتك حين كان الطفلان بأشد الحاجة إليها.
قرأ توماس الرسالة ثلاث مرات قبل أن يستطيع عقله استيعابها. فتح الظرف الثاني فوجد فعلا بيانات أنخيلا وصورا لها مع كلارا في المستشفى. في إحداها كانت كلارا مستلقية على سرير أبيض شاحبة لكنها مبتسمة وأنخيلا تمسك يدها. وفي أخرى كانت أنخيلا تضع كفيها على بطن كلارا المنتفخ وكلتاهما كأنهما منصتتان لشيء خفي.
وفي أسفل الظرف وجدت ورقة أخيرة بخط مستعجل
إن حاولت مارسيلا فصل أنخيلا عن الطفلين فقاتل من أجلها. الطفلان اختاراها قبل أن يولدا. ثق بهذه الصلة.
جلس توماس على السرير والرسالة في يده بينما بدأت شظايا الأشهر الماضية تتجمع لتصنع صورة واحدة ظهور أنخيلا صدفة اتصالها الغريب بالطفلين معرفتها للتهويدة كل ذلك لم يكن عابرا.
ومارسيلا إصرارها على فصل أنخيلا تهديداتها نبرتها المتملكة حين تتحدث عن التوأمين. كانت تقول كلارا طلبت مني أن أتولى أمرهما لكن كلارا طلبت عكس ذلك تماما.
قطع صوت خطوات في الممر أفكاره. كانت أنخيلا تصعد الدرج بعد أن أنهت أعمالها.
خرج توماس بسرعة إلى الممر وقال وهو يحمل الرسالة أنخيلا انتظري.
توقفت
قال أحتاج أن أسألك سؤالا وأريدك صادقة تماما. هل كنت تعرفين زوجتي
تبدلت ملامح أنخيلا. ذهبت السكينة وجاء ألم عميق ممزوج براحة صغيرة.
قالت نعم كنت أعرفها.
قال توماس لماذا لم تخبريني
نظرت إلى الرسالة في يده ومرت على وجهها ابتسامة حزينة لأنك لم تكن مستعدا لتسمع ولأنني لم أكن أعلم إن كانت تريد أن تعرف ذلك بهذه الطريقة.
قال بصوت كالمتوسل أخبريني أخبريني كل شيء.
جلست أنخيلا على أعلى الدرج كأن الحديث سيطول. جلس توماس أمامها وللمرة الأولى لم يكن بينهما سيد وخادمة بل شخصان أحبا المرأة ذاتها.
قالت أنخيلا بصوت هادئ عرفت السيدة كلارا حين كانت خائفة جدا. قال لها الأطباء إنها قد تفقد الطفلين وكانت تشعر بالوحدة. كنت أعمل في المستشفى ليلا وأحيانا يحتاج الناس أكثر من الدواء يحتاجون من يسمعهم.
قال توماس والذنب يخنقه ولماذا لم تخبرني أنها خائفة
قالت لأنك أنت أيضا كنت خائفا يا سيدي. كانت تعرف ذلك. كنت تعمل كثيرا لأن تلك كانت طريقتك في إظهار الحب أن تؤمن لهم كل شيء لكنها كانت تحتاج الرفقة.
وأضافت أنخيلا خلال الشهور التي رافقتها فيها كانت تتحدث عنك كثيرا. عن طيبتك وعن حبك وعن مخاوفك أيضا. كانت تخشى ألا تعرف كيف تتصل بالطفلين وأن يأخذك العمل بعيدا كما حدث أثناء الحمل.
قال توماس بصوت أجش كانت محقة.
قالت أنخيلا وهي تميل للأمام لكنها قالت شيئا آخر إن قلبك كبير لكنك تعلمت أن تحميه حتى نسيت كيف تستخدمه وأن هذين الطفلين سيعلمانك كيف تحب من جديد.
انهمرت دموع توماس التي حبسها أشهرا طويلة.
قالت أنخيلا بعد صمت قصير حين عرفت أنها توفيت وأنك تبحث عن موظفة لم يكن مجيئي صدفة. لقد وعدتها.
سأل أي وعد
قالت وعدتها أن أحمي طفليها حتى تتعلم أنت أن تكون الأب الذي يحتاجانه وألا أرحل قبل أن أطمئن أنكم ستكونون بخير.
نظر توماس إلى هذه المرأة التي دخلت حياته بصفة موظفة منزلية فإذا بها آخر هدية من كلارا حارسة أرسلتها الحياة لتضمد بيتا مكسورا.
قال فجأة وهو يتذكر تحذير كلارا مارسيلا كانت
أظلم